القرار المفاجئ الذي أعلنه الرئيس السوداني عمر البشير مؤخراً والمتمثل بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين المعارضين يعتبر خطوة نحو الطريق الصحيح باتجاه إصلاح شامل في الدولة السودانية المثخنة بجراح القضايا والملفات الشائكة، ورغم أن هذه الخطوة وفق رأي التيار المعارض واسع الانتشار في السودان- جاءت «متأخرة» إلا أنها مرحّب بها و«إيجابية».

الطريق نحو الإصلاح الشامل في أي بلد يتمثل بعقد الثقة بين أطراف الحياة السياسية والأطراف الفاعلة في المجتمع، وقبل أي خطوة عملية يمكن أن تسهم في استقرار الأوضاع في البقاع المضطربة، تأتي التطبيقات العملية للمصادقة على هذه الخطوة أو تلك في مقدمة المؤشرات على صدق النوايا، وهذا ما عبّرت عنه التصريحات المشككة بخطوة البشير الأخيرة التي صدرت عن بعض رموز المعارضة المسلحة التي خاضت قتالاً ذهبت فيه دماء بريئة تحت مظلّة «صراع الأشقاء».

المشككون بمدى مصداقية وجدية قرار البشير، لديهم أسبابهم وتحليلاتهم وسوابق كثيرة مع قرارات ومبادرات قديمة في السجل السوداني المعقد رغم أن تلك القرارات والمبادرات لم تكن بسعة وحجم القرار الأخير، أما المرحّبون ورغم تحفظهم على «التأخير» في اتخاذ القرار فهم يعولون على قرائن بعضها يرتبط بالشأن الداخلي وآخر يتصل بـ «رياح التغيير» في المنطقة العربية حولهم والمتغيرات الدولية إلى حد ما.

بين الفئتين: المشككة والمرحبة بقرار إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ثمة قاسم واحد فيصله والذي يقطع الشك باليقين فيه هو خطوات حكومة البشير المقبلة والمتمثلة بالتطبيق العملي لهذا القرار دون وضع استثناءات أو قيود أو شروط يمكن أن تلتف على تفسير من الناحية القانونية، إضافة إلى تطبيق الخطوات العملية نحو الشراكة السياسية مع كافة أطراف المعارضة دون إقصاء أو تهميش دفع بالبعض في حالات شتى إلى حمل السلاح، أما الطرف الآخر من المعادلة - أي قوى المعارضة بمختلف تبايناتها ورؤاها- فيجب أن تتقدم خطوة وتمد يدها نحو الحكومة للوصول بالبلاد نحو بر الأمان والاستقرار.. إلا أن الجزء الأكبر من المعادلة الإصلاحية المؤملة يبقى بيد حكومة البشير وهذا ما سننتظره في قادم الأيام.