كشف العديد من التصريحات والوثائق التي ظهرت هذه الأيام بشأن غزو العراق قبل 10 سنوات مضت، مدى التخبط الذي تعيشه السياسة الدولية، ومدى ضمور الجانب الإنساني والأخلاقي في مفردات السياسة الحديثة.
وكان من أبرز التصريحات التي كشفت عمق المأساة التي وضعت الشعب العراقي بين مطرقة الحكم الديكتاتوري والغزو والفوضى المدمرة، هي تصريحات وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس، التي حاول فيها تجنب إيقاع «الخطأ» من عدمه على عاتق الإدارة الأميركية في إحداث الفوضى العارمة، التي اجتاحت العراق بعد سقوط نظام صدام حسين.
في كلمات ربما حاولت التغطية والتعتيم على ما أحدثه الغزو الأميركي للعراق في 2003، رأى غيتس أنه «من المبكّر حسم صواب أو خطأ غزو العراق»، معتبراً أن ذلك التقييم يتطلب قرابة «20 عاماً»! وهي تصريحات تنم عن مدى المأزق الذي أوجدته السياسة الأميركية أيام الرئيس الأسبق جورج بوش الابن في المنطقة، بعد الفراغ الأمني الذي أحدثه الغزو.
ولا شك أن الجميع يستذكر كلمات بوش يومها، حين قال ساعة إسقاط تمثال صدام في بغداد «إن المهمة أنجزت»، ولم يعرف العالم يومها عن أي مهمة يتحدث الرئيس الأميركي.
إن حصيلة الغزو بصورة جلية، تظهر في مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء العراقيين، وملايين من المشردين واللاجئين، واقتصاد منهك يئن تحت وقع مغامرات طائشة ارتكبها النظام السابق، وبنية تحتية محطمة.. والأهم من ذلك كله، الخلل الكبير الذي أصاب البنية والروابط الاجتماعية العراقية، التي تلاعبت بها الأجندات الداخلية والخارجية، وهو ما يهدد وحدة واستقرار العراق أكثر من أي شيء آخر.
لقد اشتدت موجة التفجيرات التي تستهدف بغداد والمدن الأخرى بصورة كبيرة هذه الأيام، والدماء البريئة التي شكّلت «النهر الثالث» في بلاد الرافدين، أفظع برهان على فوضى السلاح والجماعات المسلحة التي تحاول إثارة النعرات الطائفية والقومية في العراق.
ولئن كان «وجود القوات الأميركية الغازية» مبرراً في سنين سابقة لارتكاب أبشع المجازر من قبل هذه الجماعات، فلا نجد الآن تفسيراً لموجة التفجيرات الدامية التي تستهدف المدنيين الأبرياء.