يبدو المشهد العربي في هذه الأيام، مفتوحاً على أفق الاحتمالات كافة، فالتغيير الذي بشر به الكثيرون وصل، وهناك من استعد له وأنجز ما عليه من استحقاقات ففاز بهذا الاختبار، سواء من أنظمة الحكم أو الشعوب، وهناك من حاول الوقوف في وجه الطوفان فجرفه، وهناك من يريد أن يجير التغيير لصالحه، بمعزل عن رغبات وطموحات الجماهير التي خرجت إلى الشوارع ثائرة على من حاولوا إيقاف عجلة الزمن.
التغيير سنة الكون، ومن لا يدرك هذا الناموس، يتجاوزه الزمن، ويلقي به إلى الهامش.. ومخطئ كل من يظن أن باستطاعته خداع الناس بالوعود الكاذبة أو الالتفاف على تضحياتها تحت أي ذريعة كانت.
واللافت للنظر في هذا الحراك الكبير، أن قوى إعاقة التغيير لا ترتبط بالسلطات فقط، فهناك قوى في المعارضات أيضاً تتبنى الموقف ذاته، خدمة لأجندات خاصة ضيقة أو برامج توسعية لقوى إقليمية، تريد أن تستغل هذا الفراغ لتملأه عبر قوى تتسلل إلى انتفاضات الشعوب المحقة، لتحرفها عن مسارها وتدخلها في أتون صراع طائفي أو مذهبي أو حتى حزبي.
هدف التغيير ليس الفوضى، ولا التسيب، ولا القتل ولا السحل، بل هو السعي لحياة أفضل ومزيد من العدل في توزيع الثروة.
وهناك تجارب كثيرة لا تزال حية في الذاكرة، لم تنجح في تخدير الشعوب تحت أي شعار كان، لإعادة إنتاج التسلط والاستئثار بالقرار، ولذلك لن تمر مثل هذه الانتكاسات، ولن تقطع تيار الحياة الجاري نحو الأمام.
أثبتت الِحراكات العربية وما رافقها من تغييرات، أنه ليس هناك نموذج ثابت للتغيير، ولا نظام سياسي بحد ذاته بمعزل عن التأثر، لأن الهدف والجوهر لأي حكم رشيد ينبغي أن ينبني على العدل والانصاف، وإحقاق الحقوق وخدمة الناس، وليس تحويلهم إلى عبيد في جمهوريات تتبنى شعارات الحرية، وتفقرهم تحت شعارات الاشتراكية والعدالة الاجتماعية.
الحكم الرشيد يمارس العدل ولا يحوله إلى شعار، والحكم الرشيد يحقق التنمية ولا يحولها إلى مجرد يافطة مرفوعة في الشوارع، والحكم الرشيد، يسهر على تلبية احتياجات الناس، وليس للتجسس عليهم.