تنذر التظاهرات والحراكات التي تصل إلى العنف أحياناً في دول ما اصطلح على تسميته «الربيع العربي» وفي العراق، بحالة من الفوضى التي لا تحمد عقباها، إن اسـتمرت حـالة التجاهل للمطالب التي خرجت من أجلها الجماهير ودعت لتغيير أنظمة الحكم الشمولية المستبدة، من قبل القوى المنظمة تنظيماً جيداً، والتي كانت تستعد، كما هو واضح، لمثل هذه اللحظة، مستغلة حالة الانشغال بالمرحلة الانتقالية، فهذا التجاهل سيؤدي، كما هو واضـح، لثورات جديدة على هذه القوى، مع ما يستتبع ذلك من أرواح تزهق، وتعطـل في مسيرة التنمية، وإضافة المزيد من الأعباء على الدول والمواطنين.

لا يكفي الادعاء بأن صناديق الاقتراع هي التي جلبت هذه القوة أو تلك إلى كرسي الحكم والسلطة، ولا يكفي التذرع بإمكانية حشد المتظاهرين في الساحات العامة، وتحت هذا العنوان يجري تكريس نمط أحادي من الحكم ورؤية بعينها، على حساب الآخرين.

آن لهذه القوى أن تستوعب الدرس، فالدماء لا تزال حارة، والزعماء الذين خرجوا من القصور الرئاسية ما زالوا في قفص الاتهام.

لا يملك حزب أو جماعة أو تحالف مفاتيح الحقيقة وحده، ولا تفويضاً على بياض لكي يفعل ما يريد، فالجماهير التي أطاحت بالأنظمة القمعية التي أتت إلى كرسي الحكم بقوة الجيش والأمن وفرض حالة الأمر الواقع، قادرة على الإطاحة بالأحزاب التي تتبنى مواقف قمعية واستبدادية، حتى وإن أتت إلى السلطة والحكم عبر صناديق الاقتراع.

آن لأحزاب المراحل الانتقالية، أن تصغي جيداً لنبض الشارع، وأن توفر على نفسها وعلى شعوبها المزيد من الخسائر والدماء وتعطيل الحياة الاقتصادية، إن كانت حقاً تسعى لخدمة الجماهير، كما تقول في أدبياتها. وآن لها أن تتعامل مع الواقع بوصفه مرحلة انتقالية، لا أن تسعى لتأبيدها، وتحويلها إلى مرحلة دائمة لا تختلف في جوهرها عن أي مرحلة دائمة سابقة.

الوقت ينفد من بين الأيدي، والمبادرات تقل، والغضب يتصاعد، فلا محيد عن الحوار والإصغاء لمطالب الطرف الآخر، لأن أبسط قواعد الديمقراطية، تقول إن الأغلبية مطالبة بالاستماع إلى الأقلية وأخذ وجهة نظرها على محمل الجد، لأن الزمن دوار، والأغلبية اليوم قد تتحول إلى أقلية غداً.