تشير الأحداث المؤسفة التي وقعت في مصر، أول من أمس، في الذكرى الثانية للثورة، إلى أن مرحلة استغفال الشعوب ولت إلى الأبد، ولن تخدعها بعد اليوم أية وعود انتخابية ما لم تتحقق على الأرض الأهداف التي انطلقت من أجلها الثورة، ودفعت الجماهير دماء غالية في سبيلها.
لم تعد الحجة التي يسوقها أصحاب الكتل النيابية الكبيرة، بحكم تشرذم الآخرين، والتي تقول إن صناديق الأغلبية النيابية هي التي تقرر مستقبل البلد وهويته ودستوره. في ظل الظروف المضطربة التي رافقت الثورة المصرية، ومع تنسم المصريين رياح الحرية والتغيير، لم يكن هناك إلا قوة منظمة وحيدة، لا تمثل في أحسن حالاتها ثلث المصريين، ولكنها صعدت بسبب تشتت وانقسام التيارات الأخرى.
ليس من حق أي جماعة، وفق المعايير الديمقراطية العالمية، أن تعبث بأسس ومرتكزات التعايش أو أن تسعى لفرض بنود إشكالية في الدستور تؤثر في مستقبل الدولة، بمعزل عن باقي قوى المجتمع، بحجة أنها شكلت أغلبية برلمانية.
الأغلبيات البرلمانية تتغير بين ليلة وضحاها، وحسب المتغيرات السياسية والاقتصادية، وكم من أغلبية أصبحت أقلية في ظرف عام واحد. ولذلك يبدو مستغرباً إصرار هذا الفصيل أو ذاك على تأبيد رؤيته السياسية لشكل الدولة ومبادئها، بمجرد أنه فاز بانتخابات أقيمت في ظروف استثنائية. أليست هذه هي نفسها الطريقة التي ساست بها الأنظمة الزائلة تونس ومصر الأمور، والتي وصلت إلى الثورة العارمة عليها.
ما جرى في مصر في الذكرى الثانية للثورة، وما يجري في تونس، إنذارات لكل من تسول له نفسه الانفراد، وفرض رؤيته على الآخرين، ومن المؤكد أن القوى التي ستستجيب لنبض الشارع هي التي ستبقى، بينما ستذهب القوى المعادية لرغبات وطموحات الجماهير إلى هامش التاريخ.
من أجل هذا سميت هذه المرحلة بالانتقالية، ومن أجل هذا سميت السلطات بالمؤقتة. لأن القرارات المصيرية لا تتخذ إلى في ظل الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وفي ظل شروط تنافسية عادلة، بعيداً عن نوعة الهيمنة أو التسلط أو فرض الأمر الواقع.