في ظل المشهد المعقد الذي يعيشه العراق بعد الغزو الأميركي في 2003، وسقوط النظام السابق وما تبعه من متغيرات أثرت في البنية السياسية والتركيبة الاجتماعية لبلاد الرافدين، كانت الحلول والمبادرات الآنية تجمع المتخاصمين تارة فتنفرج على العراقيين بعض آثار السكينة والهدوء، وتفرق السياسيين والزعماء تشنجات وتصريحات غير مسؤولة، فيرتد ذلك على الشارع الذي سرعان ما يبتلى بالمفخخات والعبوات الناسفة والجثث مجهولة الهوية.

ولو عدنا إلى مجموعة الأزمات التي واجهها العراق خلال السنوات العشر الماضية، لوجدناها جميعاً تشترك في مصطلح أو قضية واحدة وهي «فقدان الثقة» بالشريك أو الطرف الآخر، وما ترتب عليها من إقصاء وتهميش ومشاكل أخرى.

فشركاء العملية السياسية في العراق وهم في الغالب من أقطاب المعارضة للنظام السابق من جميع المكونات- يتعاملون مع إدارة الدولة وتسيير شؤونها والنظر للآخر في الداخل والعلاقات الخارجية، تعامل الفكر المعارض ذاته، وهي قضية لا تختص بالعراق فحسب بل في جميع البلدان التي اقتلعت منها الأنظمة بفعل ما يسمى «الربيع العربي».

إن حالة فقدان الثقة أو التشكيك بالآخر ونزع صفة الوطنية عنه ومن ثم تخوينه، تؤدي بالنتيجة إلى حالة الفوضى التي يعيشها العراق، وكانت الحلول والمبادرات المطروحة للحوار الوطني وإنهاء المشاكل تقفز على لب وجوهر تلك المشاكل والأزمات وتتم بطريقة ساذجة تحت مظلة «وطن واحد» و«شعب واحد» .

وما إلى ذلك من المصطلحات التي أكل الدهر عليها وشرب ولا تتفق والحراك الديمقراطي الواعي المفترض في العراق الجديد، ونعتقد وربما يشاركنا الكثيرون أن أي مبادرة أو حل جذري للأزمات العراقية المتلاحقة تخلو من «المكاشفة والمصارحة» بين جميع أقطاب الأزمة سيكون مصيرها الفشل، ويجب أن يدرك الساسة أن الحريق لا قدّر الله- إن اندلع في العراق فلن ينجو منه أحد وأولهم من يشعله.

ينبغي على سياسيي العراق وزعماء تياراته، أن يتعاملوا بدقة وحكمة مع جميع الملفات المبسوطة على طاولات البحث بينهم، وتحديداً بما يتعلق بالتصريحات غير المتزنة.. وأخيراً نقول إن الجميع مسؤول عما يجري «ومن كان منكم بلا خطيئة.. فليصرح عن نفسه».