بعد عامين تقريبا منذ ذهول العالم بالاحتجاجات التي اجتاحت تونس، وأسقطت النظام السابق الذي دام 23 عاما، وأشعلت الربيع العربي، شهدت الأيام الأخيرة، مع الذكرى السنوية الثانية لثورة «الياسمين»، دويا مماثلا مرة أخرى، حيث خرج المئات من الشباب التونسي وخاضوا معارك ضارية مع الشرطة، بسبب نفس القضية التي اقتادتهم إلى الشوارع في ديسمبر 2010، وهى تسلط الوالي وغياب التنمية الاجتماعية.
الثّورة التونسيّة ثورة شعبية بامتياز، انطلقت شرارتها من الطّبقة الكادحة التي عانت الكثير وتحمّلت هموم الحياة المعقّدة، وهي لا تزال إلى اليوم تحت وطأة الفقر وكأنّ الثّورة لا جدوى منها، باعتبار ذلك يعود أساسا إلى عدم مراعاة الظروف الاجتماعية الأليمة التي يعيشها مختلف أفراد الشعب التونسي. فتونس تشهد تململا كبيرا في صفوف الفئات الفقيرة وحتى المتوسطة، لا سيما في المناطق المحرومة، وذلك بسبب غلاء المعيشة وارتفاع نسب البطالة وتواصل غياب التنمية في عدة مناطق، فضلا عن تواصل اعتماد أساليب هشة في التشغيل.
ولمّا تولّت حكومة «الترويكا» السلطة، غابت عنها الرؤية الاستراتيجية الثورية، وأجبرتها ضربات معارضة لم تغادر مواقعها الإيديولوجية القديمة، على إدارة ظهرها لاستحقاقات الثورة والتفرغ للردّ على المعارضة دون تحقيق مطالب المواطنين. واليوم تعيش الثورة أخطر مراحل حياتها في ظل غياب الحوار الجدي، ما جعل الرئيس التونسي المؤقت المنصف المرزوقي يحذر من ثورة ثانية قد تقع في البلاد.
وقد عزا تحذيره هذا إلى إخفاق الثورة على نظام بن علي في وضع حد للاستبداد، ووضع حلّ للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية، رغم انتخاب حكومة جديدة بصورة ديمقراطية في تونس، إلا أن الصراع السياسي والمصالح التجارية المكتسبة يمكن أن تقود البلد إلى الركود الاقتصادي أو النمو الفاتر.
لذلك ينبغي تطهير الدّولة من كلّ القواعد التنظيميّة الزّائفة التي طبعت مرحلة النّظام السّابق، وإرساء نظام سياسي يتفق عليه الجميع، وهو ما يتطلب صياغة دستور للبلاد يعلو على كلّ المصالح الحزبية أو الفئوية، ويفرض على القوى السياسية الجديدة أن تحافظ على حالة التوافق لاستكمال بناء الديمقراطية المنشودة.