يعاني العراق من أزمات متلاحقة تجعل من استقرار هذا البلد بشكل تام لا يعيده الى المربع الأول أو الثاني مطلبا يبدو بعيد المنال. وفيما يلف عدم التوافق المشهد السياسي إذ تواصل الكتل السياسية سجالات الشد والجذب بين شركاء الحكم، وفيما يظهر الانفلات الأمني بين الحين والآخر لتكون أبرز مظاهره «المفخخات» التي لم تنقطع وتيرتها، إلا أن الخلاف بين بغداد وأربيل وصل إلى حد الوصف بأنه «قنبلة موقوتة» قد تنفجر في أي وقت وتزلزل أركان الدولة العراقية كافة.

الصراع بين رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي يعاني ضغوطا داخلية جمة ليس أقلها حجب الثقة عن حكومته، والأكراد من الصراعات الممتدة في العراق، والتي تدور حول النفوذ والسلطة والموارد بين الحكومة المركزية والإقليم الذي يعيش حكماً ذاتياً في شمال البلاد منذ العام 1992.

إلا أن أزمة "طوز خورماتو" الأخيرة تعد مرحلة جديدة في هذا الخلاف الحاد، بل انها قد تكون الأخطر كونها محورا من محاور قضية المناطق المتنازع عليها، إذ تكشف هذه الأزمة ضعف وهشاشة المرحلة التي يمر بها العراق منذ انسحاب القوات الأميركية المقاتلة منه نهاية العام 2011، كما أنها تأتي في ظل أزمة سياسية متفاقمة بين الفرقاء العراقيين، يخيّم عليها اتهام المالكي وحكومته بالتفرد بحكم البلاد بعيدا عن الشراكة الوطنية، بحسب الأطراف الأخرى المعارضة له.

كذلك، كشف الخلاف العراقي الكردي ان تحالف القوى الكردية مع المالكي، استنادا لاتفاق أربيل، لم يتعد كونه إجراء لبناء الثقة معه ولم يرتقِ الى مرحلة حسم الملفات العالقة والتي من أبرزها صلاحيات وتمويل قوات البيشمركة، والتي كانت الشرارة الاولى لانفجار أزمة طوز خورماتو، اذ تتمسك اربيل بكون البيشمركة قوة نظامية تابعة للإقليم، وتعتبر جزءاً من القوات العراقية تحصل على ميزانيتها من الميزانية الاتحادية، فيما ترى حكومة المالكي أن الجيش العراقي هو المسؤول عن تأمين الأوضاع في المناطق المتنازع عليها.

هذا التناقض يجعل التوصل الى حلول مرضية بين الطرفين أمراً صعب الوصول إليه لاسيما على المدى البعيد، إذ إن الإعلانات المتتالية عن التوصل إلى تفاهمات مشتركة قد لا تعني حسم القضايا الخلافية بين المركز والإقليم، والتي يمكن وصفها بأنها نار من تحت الرماد.