تمر جمهورية مصر العربية بمرحلة بالغة الدقة في تاريخها المعاصر، فبعد نجاح ثورتها في إقصاء النظام السابق، يتخوف الكثيرون من المصريين من الانقلاب على الثورة والعودة إلى نظام شبيه بالنظام الذي ثاروا عليه، ولذلك تجد أن احتجاجاتهم لم تتوقف لمقاومة أية محاولة للانتقاص من الديمقراطية التي بها يحلمون.
وعلى الرغم من أن الرئيس المصري يمارس صلاحياته الدستورية، وهو ملتزم بالنصوص القانونية، إلا أن ذلك لا يمنع من إبداء الكثير من المصريين لمخاوفهم حيال هذه النصوص، خصوصاً أن الدستور المصري النهائي الذي يفترض أن يخرج بتوافق الجميع، ويعبر عن روح الثورة، لم يصدر، وان القوانين التي تحكم الحياة السياسية في أرض الكنانة، لا تزال مؤقتة ولا ينبغي استغلالها لتكريس أي أمر واقع مهما كان.
المطلوب في هذه المرحلة من جميع المصريين الهدوء والاحتكام إلى الأساليب الديمقراطية والسلمية في التعبير عن الرأي، وكان أمراً إيجابياً من قبل القوى الإسلامية الليلة قبل الماضية أن ألغت مليونيتها، التي كانت ستخرج في مواجهة تظاهرات الاعتراض على الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المصري، لا شك أن ذلك جنب مصر مواجهات لا يعلم إلا الله نتائجها وعدد الضحايا فيها، عدا عن حالة الفوضى التي يمكن ان تدب وتهز أركان الاستقرار في هذا البلد المحوري.
وقبل الشروع في أي خطوة من شأنها تأبيد حالة مؤقتة، تحت أي ذريعة كانت، لابد أن يدرك الجميع أن مصر أهم من أي حزب، وأن الشعب المصري أهم من أي سياسي، مهما علا شأنه.
مصر بحاجة إلى توافق وطني عريض، وهذا التوافق لا يمكن التغاضي عنه أو تجاوزه، لأن نتائج الانتخابات الرئاسية ومظاهرات الاعتراض على القرارات الرئاسية، أثبتت ان في مصر أكثر من صوت وأكثر من اتجاه وأكثر من تفسير، لابد من احترامه والأخذ به، على الرغم من أنه قد يشكل أقلية، ولا ننسى أن الديمقراطية في جوهرها هي احترام رأي الأقلية، فالأقلية اليوم يمكن أن تصبح أغلبية غداً.