رغم أن الثورة الليبية أدت إلى العديد من التغيرات على المستوى السياسي والحقوقي، وتخلصها من الفساد والدكتاتورية للنظام السابق، إلا أن ليبيا تشهد اليوم صراعات وتهديدات جديدة تلوح في آفاق سياسية ممزقة، حيث شكل صراع إثبات الوجود تهديدات واضطرابات أمنية كبيرة، قد تفاقم من هشاشة الوضع السياسي في ليبيا، وهذا بدوره زاد من الإحباط الشعبي على مستوى الشارع الليبي.
وتشكل إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية أبرز التحديات التي تواجه الدولة الليبية، فالمؤسسات الأمنية لم تلتئم بالشكل الذي يكفل لها السيطرة على البلاد، إذ لاتزال الميليشيات المسلحة تحكم سيطرتها على عدة مناطق في جنوب وشرق البلاد، وحتى العاصمة طرابلس في الغرب، فضلا عن تحكمها في المنافذ السيادية للدولة، ما أدى إلى اتساع المطالب الشعبية بضرورة إصلاح جهاز الأمن.
فالتحدي الأمني في ليبيا لا يتعلق بغياب المؤسسات الأمنية، بل بعدم قدرة هذه المؤسسات على القيام بدورها، نتيجة عدم استيعابها للتحديات الأمنية المتغيرة، ومن ثم عدم قدرتها على بلورة استراتيجيات فاعلة للتعامل معها أو هيكل إداري يساعد على الرفع من كفاءة الأداء الأمني لهذه المؤسسات.
فكثير من الليبيين مازالت الأسلحة في أيديهم منذ الثورة على نظام القذافي، وفي هذا خطورة كبيرة على أمن البلاد، فالأسلحة يجب أن تكون لدى الجيش ثم لدى الشرطة (تسليح خفيف فقط). ورغم أن الدولة دعت مراراً إلى أن ينخرط الثوار في مؤسستي الجيش والشرطة، إلا أن الكثيرين مازالوا خارج هاتين المؤسستين ويهددون المجتمع بأسلحتهم.
ويمكن الإشارة إلى أن ضعف الدولة في ليبيا، معضلة واجهتها الثورة الليبية منذ يومها الأول. فكان غياب الدولة بمفهومها المؤسسي عاملاً مساعداً للخلاص من نظام القذافي، ولكنه في ذات الوقت مثل تحدياً أساسياً في مرحلة ما بعد الثورة، حيث تحتاج عملية تأسيس الدولة للتعامل مع تحديات عديدة على صعد مختلفة، وهي المعضلة التي تواجهها ليبيا الآن. ولكن المسار من الممكن أن يتحول للأفضل إذا تم التعامل مع تحدياته الأساسية، التي تحتاج لشيئين رئيسيين؛ حكومة تتعلم من أخطائها، ودستور يعبر عن الشعب الليبي.