تعيش منطقتنا العربية في هذه الأيام ظروفاً دقيقة ومفصلية، تقتضي التيقظ والتنبه لما قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. فالربيع العربي الذي مثل أملاً للكثيرين بأن يشكل جسراً للعبور نحو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، يكاد أن يتحول إلى صيف حار بسبب محاولات بعض القوى الاستفراد والاستئثار بمنجزات القوى التي أحدثت التغيير، ومحاولة تجييرها لهذا الطرف الأيديولوجي أو ذاك، بغية حصد مكاسب سياسية ضيقة.

وشكلت حالة ضعف الدولة المركزية مبرراً للبعض لكي يفكر بفرض أجندته الحزبية أو الأيديولوجية، وفرض نمط محدد من شكل الدولة، يتناقض من حيث المبدأ مع الأسس والمنطلقات التي تحركت منها ثورات الربيع العربي. وهذا ينذر بمواجهة جديدة بين قوى التغيير الصاعدة، وبين القوى السياسية المتجذرة التي تحاول أن تخطف منجزات الثورات وتفرض نمطاً من الحكم أو الدولة يشبه النمط الذي ثارت عليه الجماهير.

ومن أجل تجنب مثل هذا الصدام، المحتمل، لا بد من التفكير في حلول منطقية وعقلانية، ووضع نصوص دستورية تقنن عمل أية جهة سياسية، بحيث تمنعها من الاستئثار أو الاستفراد بالسلطة، مهما كانت قوتها الانتخابية كبيرة، لأن الديمقراطية من حيث المبدأ هي احترام الأكثرية السياسية للأقلية، وقبول الأقلية بالنتيجة مهما كانت، والاحتكام إلى الدستور، والهيئات القضائية المستقلة التي لا ينبغي التأثير فيها تحت أي ظرف أو مسمى. وتاريخ الشعوب حافل بمثل هذه التجارب المشرقة والمريرة، والتي يمكن الاستفادة منها والبناء عليها لعبور المخاض الصعب الذي تمر به منطقتنا.

وبقدر ما يبدو الواقع مظلماً في المدى المنظور، بقدر ما يبعث على التفاؤل في المدى البعيد، فالحكم الرشيد هو السبيل الوحيد إلى بلوغ الرخاء والتنمية، مهما كان شكل هذا الحكم الرشيد، فالعدل في نهاية الأمر هو أساس الملك كما جاء في المأثور العربي القديم، ومن الثابت أن هذه القيمة التي أدركها أسلافنا قبل غيرهم من الأمم الأخرى، هي الدليل الذي يقود الكثير من الأنظمة العربية المستقرة، والذي ينبغي أن يقود الأنظمة التي تسير في طريق الاستقرار.