الأوضاع على حالها لا تزال مشتعلة، تختلف ربما يوماً عن آخر أعداد الضحايا والمجازر، في مسلسل ملّه مسرحه ومشاهدوه أيضاً، يتبادر إلى الذهن لأول مرة أنّ الذي يراق في سوريا ليس دماً، يجسّد هذا الظن ويعضده الصمت الإقليمي والدولي المطبقين في مشاهدة أسوأ مشاهد انتجها الصراع الإنساني عبر التاريخ.

ولعل الناظر إلى الأمور بعين ولو نصف مستبصرة يدرك الأهوال التي يعانيها الشعب السوري الذي لا ذنب له سوى أنه قال يوماً: ها أنا ذا، كلفته الكلمة الصغيرة الكثير فانهالت عليه حمم الجحيم من كل صوب، سقط فوق الثلاثين ألف قتيل واختار ما يفوق الــ 600 ألف مجبرين اللجوء إلى الجوار أملاً في النجاة، فيما طفق الملايين يهيمون على وجوههم في الداخل السوري بحثاً عن مناطق أقل عنفاً وتقتيلاً.

نعم المشهد يستنطق الحجر الأصم، لكنّه لم يستطع استنطاق التوافق الدولي داخل أروقة مجلس الأمن الدولي الذي يفترض وبموجب تسميته مسؤوليته المباشرة عن حفظ الأمن والسلم الدوليين، لم يجد سوى لغة التصريحات والاستجداءات بوقف العنف موقفاً في ظل الانقسام الذي يخيّم عليه والذي دفع السوريون ثمنه دماً مراقاً، إذ لا يزال الفيتو الروسي والصيني كذلك على أهبة الاستعداد لإجهاض أي قرار يُلزم النظام بوقف العنف بحق شعبه.

وتلوح في الأفق الآن بوادر مبادرة يحملها الموفد الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي الذي وصل دمشق في وقت سابق تتمثّل في وقف للعنف عبر هدنة في عيد الأضحى المبارك، مبادرةٌ تلقى دعم قوى إقليمية ودولية كذلك لكنّ السؤال يبقى إلى أي مدى ستجد مبادرة الإبراهيمي ولو تمّ القبول بها طريقها إلى أرض الواقع في ظل طائرات لا تغيب عن سماء الأراضي السورية لحظة، إلّا إذا كانت المبادرة تحمل معها أدوات مختلفة عمّا استخدمت سابقاً.

مبادرات لا حصر لها ووعود كثيرة ووعيد أكثر، وبين هذا وذاك تستطيل المعاناة، وتتفجّر مآسي ما شهد العالم مثيلاً لها في تاريخه المعاصر.