لم يكن غياب المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي عن الأنظار هروباً من المسؤوليات أو نذر فشل كما حدث مع سلفه كوفي أنان، فالسياسي الجزائري المخضرم عاد بعد مشاورات مكثفة على ما يبدو حيث بدأت تحركاته تخطف الأضواء مجدداً على أمل إيجاد مخرج للأزمة المتعثرة في سوريا.

ورغم تسريبات باقتراح الإبراهيمي نشر قوات حفظ سلام في سوريا، وهو ما نفاه، إلا أن دبلوماسية الحل «خطوة خطوة» تبدو أكثر فاعلية من كشف الأوراق دفعة واحدة، فالرجل يقترح هدنة عيد في سوريا بين طرفي الأزمة الداخلييْن، ومن شأن ذلك، إذا تحقق، أن يعطي الناس فرصة لالتقاط أنفاسهم، ولملمة آثار الدمار الذي أصابهم نتيجة القصف العنيف وغير المبرر على منازل المدنيين من قبل القوات النظامية.

لا يعني هذا أن الإبراهيمي نجح في مهمته، فالأزمة ضخمة، وهي في طريقها للتضخم أكثر، وخاصة أنها تشابكت مع الحسابات الكبرى في التنافس الدولي، ودخلت الأزمة في سوريا كتفصيلة في تلك الحسابات التي يدفع ثمنها مئات الناس يومياً.

إن المؤشرات الأولية من الأطراف الداخلية لا توحي أن المعادلات التي كانت تحكم الأزمة في فترة أنان، تغيرت.

ومن المتوقع أن يقبل الطرفان اقتراح الهدنة على أمل أن يتسبب الطرف الخصم في فشلها، لكن الدروس المستفادة حتى الآن من عمر هذه الأزمة الطاحنة هو أن مهمة الإبراهيمي تكمن في العمل على وقف العنف أولاً وليس إسقاط النظام أو تثبيته، وفهم هذه المعادلة أساسية لتثمر جهوده عن تقدم ملموس على أرض الواقع، فهناك نحو مليوني سوري مشرد داخل البلاد، والهدنة ستتيح الفرصة أن يلملم هؤلاء أوضاعهم لتجاوز فصل الشتاء القاسي على الأقل. توقيت تحرك الإبراهيمي وبدئه باقتراح الهدنة يشير إلى إدراكه لهذه التفصيلة الإنسانية جيداً.

لقد أثبت طرفا الصراع في الأزمة السورية، أن لهما نفَساً طويلاً على الصمود وخوض الحرب في أسوأ الظروف، ولا يبدو أن أياً من الطرفين مستعد للاستسلام، وإن كانت قواعد التاريخ والمجتمع تميل لصالح المعارضة، لكن للوصول إلى تلك النتيجة فلا بد من الإقرار أن المدنيين لا طاقة لهم بهذه الحرب أكثر.