ما يحدث في شمال مالي خطير جداً وله أبعاد قد تتجاوز منطقة الساحل الإفريقي والمغرب العربي. فالتطورات الأمنية التي أفضت إلى سيطرة حركات متطرفة على منطقة توازي مساحتها فرنسا وبلجيكا مجتمعتين، تنذر بتحول مالي إلى بؤرة توتر جديدة تضاف إلى البؤر التي تطفح بها إفريقيا بسبب غياب الحكم الرشيد والأوضاع الاقتصادية المزرية وسقوط مفاهيم الدولة الوطنية الجامعة، في قارة تزخر بالقبائل المتناحرة فيما بينها، وتعتبر واحة لتناسل التنظيمات الأصولية التي تحمل أجندات عالمية تتجاوز الإقليم.
كان غياب السلطة المركزية وضعفها نتيجة حتمية لما حصل ويحصل في الصومال منذ أكثر من عقدين من اقتتال داخلي، حتى باتت الصومال تسمى بـ«الدولة الفاشلة»، ما أدى بطبيعة الحال إلى تضاعف الأزمات التي لم تنتهي بمشكلة القرصنة العويصة.
واليوم، تطلق التحذيرات من هنا وهناك لكي لا تخلق «صومال جديدة» في غرب إفريقيا في مثلث يعتبر مهماً جداً يصل بين شمالها، أي المغرب العربي، بجنوبها ومنطقة الصحراء الإفريقية، دون نسيان قرب شمال مالي من المنافذ المائية، ما يعني إمكانية ربط القراصنة على سبيل المثال لنشاطاتهم في المحيط الهندي بالأطلسي. القضية في شمال مالي ليست أمنية فحسب. بل هي تستوجب إعادة النظر بكل المقومات والأسس التي قامت عليها أنظمة المنطقة.
والتي أفضت إلى هذا التراجع المقلق في النواحي الأمنية، بالنظر إلى أن المسألة قامت من المبدأ على أساس تحرك انفصالي لمتمردي الطوارق، قبل أن تتحول قيادة الدفة إلى الجماعات المتطرفة التي قمعت سكان شمال مالي وهددت البلدان المجاورة. تبدو القوة العسكرية مطلوبة في بعض الأحيان لدرء أخطار أكبر، مع التأكيد على وجوب دراسة أي خطوة بشكل ملي قبل الإقدام على أي عمل عسكري قد يزيد الأمور تشابكاً، وهو الأمر الذي سينعكس سلباً، في هذه الحالة، على الأوضاع السيئة في المنطقة وسيشي بتداعيات أكثر تعقيداً.