تجاوزت أعداد النازحين السوريين 400 ألف إلى خارج سوريا بحسب بيان للمجلس الوطني السوري، ومعظم هؤلاء لجأوا إلى الدول المجاورة، وبخاصة تركيا ولبنان والأردن. ووفقاً لتقارير حقوقية فإن أكثر من 200 ألف مدني نزحوا من مدينة حلب خلال الأسبوع الماضي نتيجة المعارك الضارية التي يخوضها الجيش الحر ضد القوات النظامية.
وبعيداً عن هذه الأرقام، فإن الأعداد الحقيقية تفوق ما ذكر بكثير، وتشهد سوريا حركة نزوح دائرية نادراً ما تحدث في العالم، فمع إحكام النظام سيطرته على طرق النزوح في بعض المناطق، يضطر المدنيون مع عائلاتهم إلى سلوك طريق دائري تأخذهم في رحلة متنقلة إلى أماكن بعيدة نسبياً عن نطاق الهدف المدفعي، وحالما تتغير الحال يتنقلون مرة أخرى إلى ان يجدوا أنفسهم ثانية في منزلهم.
هذه الفئة هي التي لم تسعفها حالها إلى الخروج من البلاد، وهناك في بعض المناطق من لا يستطيع مغادرة منزله مطلقاً نظراً لسوء الأوضاع الأمنية، والمفارقة أن هذه الحالة بدأت تفرض نفسها على سكان العاصمتين، السياسية (دمشق) والاقتصادية (حلب)، لتكون سوريا بكاملها تحت تهديد النزوح الذي عرفه السوريون ككلمة تخص الفلسطينيين الذين هجّرهم الاحتلال الإسرائيلي من أراضيهم، ولم يخطر ببالهم يوماً أن النزوح الأكثر مرارة سيأتي على يد من يرفع لواء محاربة إسرائيل ويتمسك بعودة اللاجئين الفلسطينيين حتى يخال المرء أن القضية الفلسطينية هي شأن محلي للنظام.
اليوم ينتظر السوريون في مخيمات أقامتها حكومات وجهات إغاثية في عدة دول، وهم يستذكرون يومياً حال اللاجئين الفلسطينيين والمتاعب المرهقة التي عانوا منها حتى وصولهم إلى المخيمات، فالرحلة لا تبدأ من المخيم بل من لحظة النزوح إليه، لأن الهارب من القصف يجد في خروجه منجاة له من الموت، لكن سرعان ما تبدأ العواطف بالنيل من الرغبة في النجاة، ولتبدأ معها أحلام العودة.
ومثلهم مثل الفلسطينيين، لم يخطر ببال النازحين السوريين بأن الأمور ستطول، بل توقعوا أن يستغرق الأمر بضعة شهور كحد أقصى حتى ينالوا حريتهم. فما أشبه الحال بين الناس المقيمين قسراً خارج أوطانهم؟.