أياً كانت الطريقة التي سوف ينتهي بها التفاوض بين الخرطوم وجوبا بحلول الثاني من أغسطس المقبل، وهو الموعد المحدد في قرار مجلس الأمن 2046، فإن من الصعب أن نتصور طيّ الملفات ووضعه في انتظار ما قد يقرِّره مجلس الأمن بقرار منه. فعملية التفاوض والموضوعات الشائكة التي تحويها، أعقد وأصعب من أن يطوي مجلس الأمن ملفاتها ويتولى هو وحده حلحلة ما استعصى فيها.

صحيح أن الخلاف النفطي ألقى بآثار سالبة على اقتصاد الدولتين كلٌ بدرجة ما، الأمر الذى حتَّم حسمه بأسرع ما يمكن. ولكن رغماً عن كل ذلك، فإن الخلاف النفطي في الواقع لا يمثل سوى الجزء الظاهر فقط من الأزمة، التي إذا لم يتم احتواؤها ستحرق الطرفين. ويمكن القول في هذا الصدد، إن أخطر وأكبر أزمة يعاني منها الجانبان، هي الاختلال الأمني الذى يعصف باستقرار الحدود المشتركة، ويهدد مناطق التماس وإمكانية خلق حالة تعايش سلمي مُستدامة.

ففي كل النزاعات التي تجري بين أي دولتين تكون الأولوية القصوى لعنصر الأمن، لأنه من الناحية العملية يهدد ليس فقط استمرار المفاوضات السلمية، بل يهدد أي نتائج يمكن التوصل إليها على أي صعيد، إذ بغير حلحلة القضايا الأمنية والمشاكل الحدودية وإيجاد حد أدنى من الاستقرار، فإن من المستحيل تحقيق أي تقدم في أي ملف من الملفات التي تجري مناقشتها. فتمسك الخرطوم بحل المشكلات الأمنية أولا، أمر منطقي ومفتاح جوهري لتسوية القضايا الأخرى، على اعتبار أن الخروقات الأمنية هي التي تهزم دائما جهود التسوية السياسية.

ومن المؤكد أن الصراعات الحالية نتاج لإفرازات الانفصال، فكلتا الدولتين تعانيان من صعوبات التكيف مع الوضع الجديد، فالجنوب يعاني من صعوبات بناء دولة من العدم في ظل صراعات قبلية مزمنة وشح في الموارد وانعدام للبنى التحتية، بينما يعاني السودان من مشكلات اقتصادية وأمنية وسياسية.

ومهما طالت الخلافات فإن الجانبين محكوم عليهما في النهاية بتغليب عوامل التعاون وتطبيع العلاقات بينهما، لأنه لا خيار سواه للبقاء والاستقرار. إن الاتفاق على حل القضايا المشتركة في إطار سياسي، سيمنح العديد من المزايا للبلدين اللذين يحتاجان للاستقرار والتنمية، كما يحتاجان لخلق فرصة لسحب الشعور السالب بالعزلة الإقليمية.