فيما لا تزال الأزمة السياسية في العراق تدور في حلقة مفرغة، تنطلق من مبدأ «مكانك سر»، وبينما التوتر يخيم على الجوار السوري، تمتلئ قلوب العراقيين بأوجاع وطن لم تهدأ حالته منذ الاحتلال الأميركي له في عام 2003، وبينما كان البلد يواجه في السابق عدواناً وتدخلاً خارجياً، خلق حالة من عدم الاستقرار الداخلي والانفلات الأمني، فإنه بات اليوم يعاني توتراً وتأزماً بين قياداته أكثر تأثيراً، وأيضاً دون السيطرة على ثغرات الفراغ الأمني التي تظهر دلالاتها في تفجيرات هنا وهناك.
ويكاد المتتبع للشأن العراقي يدرك، دون مجال للشك، أن تصريحات قيادات الكتل السياسية وبعض صناع القرار، تُعيد وتكرر نفسها منذ بدء الأزمة وحتى يومنا هذا. ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي وحلفاؤه يرفضون التغيير والاستجواب، ولا يُقرّون بأنهم «خذلوا» الشعب العراقي، بحسب رأي المعارضين لهم.
فيما يتمسك الطرف الآخر، الذي تتحدث باسمه قائمة العراقية بزعامة إياد علاوي والتحالف الكردستاني، مدعومين من التيار الصدري، باستجواب رئيس الوزراء، وبإصلاح فعلي وجدّي لا يشبه عملية الإصلاح «العرجاء» التي يجري الحديث عنها، فضلاً عن تحديد ولاية رئيس الوزراء.
وبين الدعوة للحوار والتشبث بسحب الثقة قبل أي شيء، مع البدء بما اعتبرته العراقية «أفعالاً تتجاوز حدود التصريحات العقيمة التي لا جدوى منها»، عبّر معارضو المالكي عن يأسهم من النظام السياسي الذي «ابتعد عن الأهداف المتفق عليها»، وشددوا على تمسكهم باستجوابه، تمهيداً لسحب الثقة عنه، والتي يقابلها ائتلاف رئيس الوزراء برفض تام، مجدِداً حديثه عن بدائل أخرى لا يقبلها بالطبع معارضوه.
وفي الجهة الأخرى من هذا الخلاف، الذي يصل إلى حد الأزمة الخانقة، يقف مجلس النواب (البرلمان) حائراً بين دستورية المطالب أو عدم شرعيتها، معلناً أن «ورقة الإصلاح»، التي يعتبرها الكثيرون مخرجاً ضرورياً لتجاوز عنق الزجاجة، لم تصله ولم يعرف فحواها، ما يجعل المشهد السياسي في البلاد ليس واضحاً إلى حد تسليم البعض بأن العراق يمر في نفق مظلم، ولا أمل أو انفراج يلوح في الأفق القريب.