تجسد نجاح الانتخابات الليبية في القبول الجماعي بنتائجها، والاتفاق على شرعيتها، والسعي المشترك من لدن كل الأطراف لتقوية الأمن والاستقرار في البلاد، وبناء مؤسسات الدولة وتفعيلها، وبذلك ستكون البلاد قد طوت فعلاً صفحة عهد القذافي، ودشنت مرحلة جديدة في تاريخها مبنية على الديمقراطية وترسيخ دولة القانون.
المعطى البارز إذن، على هامش انتخابات ليبيا، وهو يشكل في الوقت ذاته تحدياً مركزياً للسلطات، يتعلق بعقلية المحاصصة المناطقية في المؤتمر الوطني العام، خصوصاً بين المناطق الكبرى ذات الثقل القبلي والاقتصادي والتاريخي.
كما أن انتشار الأسلحة واستمرار الميليشيات يجعلان التحدي الأمني بدوره مطروحا، ويمثل الامتحان الأكبر للسلطات الليبية الجديدة، حيث إن إقامة المؤسسات السياسية وهياكل الدولة، تستوجب أولا فرض الأمن والاستقرار في البلاد، وبالتالي جعل أجهزة الدولة هي المتحكمة في الأمن وفي السلاح وفي السهر على إعمال القانون.
فالشعب الليبي الذي فاجأ العالم كله بثورته، أبى إلا أن يدهشه مرة أخرى بنجاح أول انتخابات للبلاد منذ نصف قرن، حيث كانت المفاجأة الكبرى في سقوط الخيار الجهوي والقبلي للانتخابات، فصوت الشعب الليبي، سواء لمرشحي القوائم أو المستقلين، بعيداً عن الخيار القبلي، رغم محاولات محمومة من البعض سواء بالتخويف من قبلية الليبيين أو باستمالة شرائح الشعب الليبي من خلال الانتماءات القبلية والجهوية.
فقد أظهرت النتائج المعلنة حتى الآن، صعود حزب تحالف القوى الوطنية على حساب باقي الأحزاب في المناطق الشرقية، وهو يعتبر مؤشراً جيداً لخروج البلاد من دوامة القبلية والجهوية.
ديمقراطياً، يحق لمن فاز بالأغلبية أو الأكثرية أن يشكل أو يقود الفريق الحكومي بصدر رحب، بعيداً عن ثقافة الإقصاء والتهميش التي كانت سمة النظام السابق.
لكن التحدي السياسي الكبير، هو أن تنجح كل الأطراف في الاتفاق على قواعد مشتركة للعمل السياسي المدني، وعلى محددات المرحلة القادمة، فضلا عن قدرة القوى والكيانات السياسية الديمقراطية والمدنية، على التنظيم الذاتي، وعلى توحيد الصفوف، وبلورة بديل ديمقراطي مدني راسخ وسط الشعب، كما أن تحديد تلك الملفات الأساسية، يجب أن يتم من خلال التشاور الواسع مع مكونات الشعب الليبي.