يتوجه الناخبون الليبيون اليوم إلى صناديق الاقتراع، ليس لانتخاب ممثليهم في البرلمان الجديد فحسب، بل ولتسطير تاريخ جديد يشرع الأبواب أمام الحياة السياسية في البلاد ويملأ رئتيها هواءً نقياً قوامه الحريات والتحول نحو المنهج الديمقراطي في تداول السلطة، بعد أن كانت رئات المجتمع لا تتنفس إلا عبر أنابيب ديكتاتورية أقصت الجميع أربعة عقود ونيف احتكرت فيها السلطة والثورة معاً.
ولعل انتخاب البرلمان والذي ينتظر منه التشريع لدولة ما بعد معمر القذافي يعتبر أولى المؤسسات في الدولة، وخطوة في مشوار الألف ميل الذي ينتظر الليبيين على اختلاف مشاربهم وأفكارهم وتوجهاتهم، إذ لا طريق أمامهم إلا التوافق وتنحية المصالح الشخصية والحزبية جانباً، فالمرحلة مرحلة بناء وطن خرج لتوه من حقبة طويلة لم تتح له تحقيق شيء من تطلعاته وآماله، وثورة دمرت جزءاً كبيراً من بنيته التحتية وموارده البشرية.
ولعل التحديات في طريق الساسة اللبيين كثيرة وهم أهل للوفاء بمتطلباتها متى ما وضعوا مصلحة البلاد العليا نصب الأعين، إذ يتصدر تحدي السلاح المنتشر في أيدي الأفراد اللائحة، لما يمثله من خطر كبير على السلم الأهلي والأمن، في ليبيا وربما المنطقة بأكملها، فالمواطن الليبي والذي دفع من دمه الغالي مهر ثورة 17 فبراير، يأمل في حصاد الأمن قبل كل شيء.
هما بالطبع متلازمتان متى ما توفرتا هيئتا مناخاً ملائماً للنهضة والسير إلى المستقبل، وهما الأمن والاقتصاد اللذين يجب أن يتصدرا أولويات القادة الجدد الذين ستتمخض عنهم الانتخابات، فالمواطن وبفعل أحداث دامت أكثر من عام كامل، دمرت موارد الاقتصاد، أحوج ما يكون لتأمين احتياجاته الأساسية، أمر يتطلب من القادة العمل على موارد جديدة في رئة الاقتصاد، فضلاً عن العمل وبجد أكبر على فك الأموال الليبية المُجمدة في الغرب.
إن ليبيا الآن في مرحلة العمل ولا شيء سواه، وما تملكه من موارد مادية كانت أو بشرية كفيل بتحقيق آمال شعبها، وخروج مارد يخترق حجب المستقبل بكل بصيرة وثقة.