تعدّ لحظة النطق بالحكم على الرئيس المصري السابق حسني مبارك، والتي صدر فيها الحكم عليه وعلى وزير داخليته بالسجن المؤبد، لحظة تاريخية للحقيقة وانتصاراً للعدالة الناجزة، بعيداً عن الأهواء السياسية ورأي الشارع.
لا يمكن لأحد أن يشكك في نزاهة القضاء المصري، الذي هو بمثابة ضمانة للحقيقة ومنبر للحق والعدل، وسلطة مستقلة لا تخضع للأهواء أو لضغوط الشارع أو لضغوط القوى السياسية وأهوائها، بل يقضي بما يراه انتصاراً للحق والعدل ورفعة لدولة القانون، وإعلاء لسياسية إحقاق الحق التي هي ضمان للمجتمعات.
إن احترام أحكام القضاء والانصياع إليه سد منيع دون الانزلاق نحو مخاطر التفرق والهوى، وصمام أمان لبقاء دولة المؤسسات التي تقوم على أركان السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية بأعمدة متوازية لا تتقاطع، بل أركان صلبة تتكامل لتحقيق دولة القانون والمؤسسات ودولة الحق والعدل.
إن تاريخ القضاء المصري ومواقفه شاهدة للعيان، ولا تحتاج إلى بينة أو تذكير، وإنما تحتاج إلى الالتزام والانصياع لها، وكما كفل القانون للقضاء سلطة مستقلة، فإنه كذلك كفل للجميع حق الاستئناف على أحكام القضاء إذا رأى أحد تضرراً منها.
إن هذه اللحظة التاريخية يجب أن تبقى درساً شاهداً ماثلاً على نزاهة القضاء وأنه يستند إلى ما قدم إليه من أدلة، ويقضي وفقاً لها، ويُعمل حياديته التامة في كل ما ينظر فيه ويبحثه، ويقف على مسافة سواء بالنسبة للجميع، بعيداً عن أي هوى أو تأثير.
لكن لحظة الحقيقة كذلك تقتضي أن يعي حكام العالم بأسره، أن جسرهم الحقيقي مع شعوبهم هو جسر العدالة والمساواة والانحياز إلى حاجاتهم وقضائها. إن العدل وحده هو صمام الأمان للجميع؛ للشعوب والحكام على حد سواء، وهو وحده يقي زوال الأمم والدول، كما أنه يجسر حب الشعوب لحكامها ويقيها شر الفتن جميعاً.
إن الحقيقة الثابتة التي ضربت آلاف الأعوام في جذور التاريخ، هي أن العدل أساس الملك، وأنه درع واقية من الانحراف عن آمال الشعوب وطموحاتها.