الأزمة السياسية في البلاد، ومنذ نهاية العام الماضي الذي أنهى معه وجود قوات الاحتلال على الأرض العراقية، أخذت في الاتساع على عكس التوقعات، وهذا ما يجعل المجتمع العراقي بجميع أطيافه يفقد ثقته بنهايات قريبة للأزمة، بعدما منى النفس طيلة الأعوام المنصرمة بأن يكون رحيل المحتل البوابة للاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني.
إن شدة الصراع بين شركاء العملية السياسية لم يكن يوماً من الأيام من أجل المواطن الفقير أو المغلوب على أمره، وإنما من أجل تأمين حصصها من مواقع السلطة دون أن تراعي صالح الوطن أو مصلحة المواطن، من دون أي استعداد للتضحية لقواعدها الشعبية افتقدت أي تنازلات من الكتل السياسية لمصلحة المواطن أو توفير الخدمات أو من أجل الوحدة الوطنية في أقل تقدير.
لابد من وقفة تأمل طويلة، وتحليل أسباب ونتائج الأزمة الحادة التي حدثت مؤخراً وضربت أركان العملية السياسية، جارفة بطريقها كل التحصينات والدفاعات الهشة والرخوة المقامة دفاعاً عن أمنها وسلامتها التي أصبحت عرضة لهجمات متتالية دون قدرة التصدي لها أو احتواء تداعياتها أو القائمين عليها، ما استولد حالة من الخوف والقلق على مستقبل الوفاق السياسي الذي تعرض هو الآخر إلى انتكاسة جديدة، بعد تدهور العلاقات وتأزمها بين قطبي التحالف السياسي.
وحالة الشلل والضعف والوهن التي تعيشها الشراكة الوطنية، جعلها عاجزة عن التعاطي مع احتياجات المواطنين من منطلق القوة والوحدة وعبور الأزمات التي تعترض مسيرتها، ويفترض أن تكون طبيعية واعتيادية، ما يدلل على أن الأزمة التي تعيشها العملية السياسية، أزمة بنيوية رافقتها منذ بواكير تشكيلها.
حيث اعتمدت في بنائها قواعد وركائز لم تهيئ الأرضية الصلبة والسوية لإقامتها بما يجعلها قادرة على تحمل الصدمات والاهتزازات التي تتعرض لها العملية السياسية من حين لآخر. والقوى السياسية المتصارعة والعاجزة عن تجاوز خلافاتها عليها الالتجاء إلى المفاهيم والقيم الديمقراطية لإيجاد حلول لها، دون اللجوء إلى التهديد والوعيد والكلمات والتعابير الجارحة.
وينبغي استدعاء مصالح الشعب وأمنه أثناء التفتيش والبحث عن معالجات جادة للخلافات، حيث إن بقاءها وتعاظمها سيفتح الأبواب على كل الاحتمالات، وقد يصبح من المتعذر إدارة الأزمة وتوفير الحلول الملائمة دون دفع فواتير باهظة لها، والتي قد تؤول إلى تردي الأوضاع الأمنية والاستقرار، وعودة دوامة العنف والاقتتال من جديد، وتعود سكين الصراعات تقطع النسيج الاجتماعي وبعثرة أجزائه، لتبحث عن حاضنات إقليمية أو دولية تحميها.