تحاول إسرائيل جاهدة استغلال الانشغال العام بالربيع العربي لفرض مزيد من إجراءات التهويد في مدينة القدس، محاولة فرض الهوية اليهودية عليها، عبر شتى السبل والأساليب، وحتى لو اقتضى الأمر تزوير شاهدات المقابر.
الحجة الجديدة التي خرجت بها الحكومة الإسرائيلية للاستيلاء على 300 دونم مملوكة لدائرة الأوقاف الاسلامية، هي وجود ثلاثة آلاف شاهدة قبر لليهود في المنطقة الممتدة من جبل الطور شرق المسجد الأٌقصى مرورا بوادي سلوان جنوباً وانتهاء بوادي الربابة جنوب غربي المسجد.
والغريب في أمر هذه المقبرة المزعومة هو غياب أي دليل مادي يثبت هذا الأمر ما اضطر جمعية العاد الاستيطانية إلى زرع شاهدات قبور مزورة في المكان، وكأن ذلك صك ملكية أبدية يتجاوز بفعله وقانونيته أي صك آخر.
وما هذا إلا إعادة انتاج لمقولة الحق التاريخي العنصري الذي بررت الحركة الصهيونية من خلالها احتلال فلسطين وتهجير أهلها، وتغيير معالمها البشرية والحضارية.
فالحق التاريخي المزعوم يفترض أن مدينة القدس كانت في يوم ما قبل الميلاد عاصمة لدولة يهودية، لم ينجح علم الآثار حتى هذه اللحظة بالكشف عنها.. وبناء على النصوص الدينية المقدسة لدى اليهود، فإن هذه العاصمة كانت تضم هيكلاً عجائبياً، لم يعثر على أي حجر منه حتى الآن، ومع ذلك يبرر هذا الحق التاريخي لليهود المطالبة بمدينة عرفت عبر التاريخ أنها كنعانية وعربية.
ويدعم ذلك الآثار والنصوص التاريخية وشهادات الرحالة وغيرهم، ومع ذلك وباسم الحق التاريخي ترتكب فظائع على صعيد تغيير المعالم الحضارية والآثارية، دون أن يرف للعالم المتمدن جفن، وهناك قوانين ومواثيق دولية تحرم العبث بما يسمى التراث العالمي، والذي تحوي مدينة القدس العديد من الآثار المصنفة ضمنه، وفق منظمة اليونسكو.
ومن هنا تنبع أهمية الاعتراف الدولي بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران /يونيو 1967، كون هذا الاعتراف يساعد على وضع التعديات والانتهاكات الاسرائيلية ضمن سياقها القانوني المناسب، باعتبارها سطواً على ممتلكات الآخرين وحقوقهم، وتغييراً للمعالم الجغرافية، وهو ما يناقض المواثيق والأعراف الدولية، ويتيح للدولة الفلسطينية النضال ضمن أروقة المنظمات الأممية لوقف هذه الانتهاكات.