عودة أجواء التوتر الأمني إلى شوارع المدن اللبنانية، أمر يشي بالكثير ويدعو إلى القلق بلا ريب. الاشتباكات التي شهدتها طرابلس، عاصمة الشمال، منذ نحو أسبوع وعلى مداره، تضع أكثر من علامة استفهام على مصير الاستقرار في لبنان، مع وجود أكثر من بؤرة توتر من شماله إلى جنوبه وفي ضاحية عاصمته، تجعله ساحة لتصفية الحسابات والتجاذبات وورقة صراع يزج بها طرف ما في حربه التي يعتقد أنها إقليمية، وهي داخلية دون شك.
للبنان تاريخ من النزاعات التي قيل دوماً إنها حرب الآخرين على أرضه، وأن هذا ما يجعله قوياً بضعفه. فحربه الضروس التي دامت قرابة خمسة عشرة عاماً بين 1975 و1990، أكلت الأخضر واليابس وأحدثت شروخاً عميقة داخل نسيج المجتمع اللبناني، وضربت أسس التعايش السلمي فيه، بسبب تدخلات القوى الدولية والإقليمية التي لم تستكن بعد اتفاق الطائف، فعمدت إلى ترسيخ ذلك الشرخ باللعب على التناقضات السياسية تارة، والمذهبية تارة أخرى، في بلد تسكنه 18 طائفة رسمياً.
لم يهدأ لبنان منذ عقود طويلة؛ فالاغتيالات والتفجيرات والسيارات المفخخة والاشتباكات البينية والفلتان الأمني، فضلاً عن ملف المخيمات الفلسطينية المعقد، استمرت بلا هوادة لتضعضع أي رغبات للبنانيين في العيش بسلام. كما أن احتلال إسرائيل لأراضيه بما مثله ويمثله من أشكال العدوان، واختراق المجال الجوي وافتعال الحروب وتدمير بنيته التحتية، زاد الطين بلة، ما استدعى انتداب قوات دولية، أضحت هي بنفسها، في بعض الأحيان، عبئاً، مع تلقيها الضربات الغامضة تلو الأخرى، لتتحول بدورها إلى «ورقة» جديدة في حلبة الصراع.
واليوم، تطل صدامات طرابلس برأسها من النافذة الواسعة، لتعلن «جهوزية» لبنان للتحول مجدداً إلى ساحة لتصدير المشاكل، في ظل تضخم بؤر التوتر تلك، إقليماً وداخلياً، وغياب الأفق السياسي الجامع الذي يلتف حوله اللبنانيون، مواطنين وساسة، حيث يفضل كل فريق، على ما يبدو، الانكفاء في اتجاه قوقعته، لأن مفهوم «المواطنة» لم يزل ضائعاً في صحراء الاحتقان المذهبي المصطنع من الخارج.