منذ استقلال دولة جنوب السودان في 9 يوليو 2011، بدأت تلوح في الأفق بوادر الخلاف بين «شطري» وطن، جعل الاستفتاء الشعبي من جنوبه بولاياته العشر دولة مستقلة تتجاوز مساحتها 600.000 كيلومتر مربع تقريبًا. إلا أن عدم الاتفاق على آلية لتوزيع ثروات البلاد، لاسيما النفطية، بين الشمال وجنوبه عزز الخلاف بين الطرفين إلى حد التدخل العسكري، وتهديد الشمال بشن حرب لـ«تطهير» أراضيه من الجنوبيين.
خلافات وصراعات حاولت أطراف دولية احتواءها، إلا أنها ما تلبث أن تنفجر كلما أطلق أحد الجانبين تصريحاً معادياً، أو مع كل تحرك سياسي أو اقتصادي يتعلق بالنفط «مخالف للعرف» المتفق عليه.
وبعد إخفاق الدولتين في الالتزام بقرار مجلس الأمن الدولي الصادر في الثاني من مايو الجاري، الذي طالبهما ببدء المباحثات، تكاثفت الجهود الدولية التي يترأسها كبير وسطاء الاتحاد الافريقي ثابو مبيكي مع دبلوماسيين آخرين لدفع الطرفين في اتجاه بدء التفاوض.
وذلك بعد أن طالب مجلس الأمن الدولي، في قرار مدد فيه نشر قوات الأمم المتحدة في ابيي، السودان أن «يسحب فوراً وبلا شروط» جنوده من منطقة ابيي الحدودية المتنازع عليها، على أن «يتم إنهاء المفاوضات بين البلدين حول منطقة ابيي» بموجب اتفاق تم التوصل إليه في يونيو 2011، وأن تختار الخرطوم من ثلاثة مرشحين تعرضهم جوبا مديراً للمنطقة، في حين تختار جوبا من ثلاثة مرشحين تعرضهم الخرطوم كنائب مدير منطقة ابيي.
وفيما الأنظار تتركز نحو تلك الخلافات السياسية الاقتصادية والعسكرية، تتوالى التحذيرات من أن نصف مواطني جنوب السودان يواجهون خطر شح الغذاء بسبب النزاع الدائر حالياً بين جوبا والخرطوم. وقال برنامج الأغذية العالمي إن هذا الخطر يهدد قرابة خمسة ملايين شخص، مشيراً إلى أن الاقتصاد في جنوب السودان تضرر بشدة جراء المواجهات الحدودية مع السودان، وكذلك بسبب إغلاق منشآت نفطية في البلاد. ما يجعل حياة هؤلاء على المحك في حال واصل الطرفان تعنتهما.
جهود، ومبادرات، دعوات تليها أو تسبقها تهديدات من طرفي الصراع، جميعها تجعل من شمال السودان وجنوبه بؤرة توتر في منطقة تلفها التوترات، لاسيما الداخلية، ما يحتم على جميع الأطراف بذل أقصى الجهود لاحتواء أزمة قد تفضي إلى صراع دموي لا تُحمد عقباه.