حين أكملت القوات الأميركية انسحابها من العراق نهاية العام الماضي، استبشر العراقيون ومعهم العرب ودعاة السلام خيراً، بعد سلسلة الكوارث التي حلت بهذا البلد العربي الذي يحظى بحب جميع العرب، إلا أن الفرحة بعودة العراق حراً ومعافى وسنداً لأشقائه، جاءها ما ينغصها ويعيد عقارب الساعة إلى الوراء في ظل المخاوف التي أثبتت الأيام أنها كانت مخاوف تنبع عن وقائع حقيقية على الأرض.

رغم أن البلد الذي كان يملك أقوى جيش عربي في المنطقة، ونسبة التعليم العالية التي كانت فيه حتى ثمانينات القرن الماضي، خرج من أتون ثلاثة حروب مدمرة منهك القوى وباقتصاد مدمر، وهو ما شدد المخاوف الخارجية عليه، إلا أن أنظاراً كانت ترى تلك المخاوف بدرجة أقل من نظيرتها الداخلية، حيث الانقسام والاقتتال وبالتالي الذهاب بالعراق بعيداً في مستقبل مجهول.

لقد أثبتت الأيام الأخيرة، أن المخاوف التي تشير إلى الوضع الداخلي العراقي، صدقها، وخرجت الأزمة السياسية التي يشهدها البلد بين مختلف الكتل والشخصيات المتنفذة عن إطار الخلافات العادية التي يمكن أن تشهدها جميع أقطار المعمورة، لتدخل في مرحلة «النفق المظلم» الذي لا تبدو له نهاية، مع عدم توصل أطراف العملية السياسية إلى حلول وسطى يمكن أن تنجز عبر حوار وطني يرقى إلى آمال الشعب العراقي الشقيق.

كان لوقع الخلافات بين الساسة العراقيين، وقع آخر وصدى دامٍ عبر عشرات من الأعمال الانتحارية والهجمات التي حصدت أرواح الأبرياء دون تمييز، ولئن لم يتوصل هؤلاء الساسة إلى اتفاق قريب، فإن الوضع لا يمكن أن يتنبأ به أحد، وأثبتت التجارب البشرية أن جميع الأطراف خاسرة في المشكلات الداخلية التي تتطور على شكل أزمات تتبعها كوارث.. وكما أسفلنا فإنه حري بالساسة في العراق السعي لحلول وسط وتقديم تنازلات آنية لحساب مصلحة العراق بأجمعه.