العنوان الأبرز لثورات الربيع العربي التي لا يزال بعضها مشتعلاً، هو كرامة مواطني الدول التي تشهد هذه الموجات الاحتجاجية، فشعور مواطني تلك الدول بعدم احترام مؤسسات الدولة لهم، وانتهاك كرامتهم على أيدي الأجهزة الأمنية، أدت إلى انفجار شعبي كان دموياً في بعض الدول. وكانت واحدة من الحجج القوية للمعارضين في دول عربية شهدت تغييرات سياسية جذرية وشبه جذرية، هو أن الأنظمة الحاكمة تقف وراء كل التوترات الاجتماعية، إلا أنه من المستغرب أن يبقى الكثير من مظاهر التناحر الاجتماعي يفرض نفسه في أكثر من دولة، مناقضة بذلك الهدف الأسمى للثورات، وهو بناء أنظمة ديمقراطية تسودها روح المحبة والتسامح، وتحفظ فيها كرامة الإنسان العربي.

اليوم تشهد ليبيا تصفية حسابات قبلية، وتشهد تونس توترات مناطقية، وانعكست الثورة السورية في لبنان على شكل توترات طائفية، ويقترب مصطلح «الحرب الأهلية» ليصبح أحد الأدبيات المستخدمة في توصيف الحالة السورية، كما شهدت مصر هي الأخرى حوادث طائفية بعد سقوط النظام السابق.

إن ظهور نزعات منتمية إلى مستوى «ما قبل الدولة»، يطرح تساؤلاً مهماً عن دور النخب السياسية والثقافية في قيادة التحولات التاريخية التي تشهدها المنطقة، فأورام اجتماعية عديدة مثل الثأر والعصبية العشائرية والانتقام الطائفي، تعود مجدداً عبر بوابات عديدة كان من المفترض أن تغلقها الثورات. لكن هذا لا يعني أن الوقت قد فات، فالعملية السياسية في كل دول الربيع العربي لا تزال غير مكتملة، ومن الطبيعي أن يرافق انهيار الأنظمة السابقة، نشاط مجتمعي قد يحمل ما يتناقض أحياناً مع قيم الدولة، لكن التوترات الاجتماعية والطائفية تبقى مؤقتة سرعان ما تزول، عندما تعود هيبة الدولة التي تحفظ كرامة مواطنيها.

 ويبقى دور النخب السياسية والثقافية ألا تكتفي بالبقاء متفرجة. فإذا كان تغيير الأنظمة ممكناً باحتلال ساحات عامة وإقامة مظاهرات ضخمة، فإن خلخلة أركان الكثير من الأمراض الاجتماعية يكون أولاً عبر مواجهة الأسباب، والأهم من كل ذلك عدم انسحاب النخب من دورها القيادي والتوجيهي في مسار التغيير السياسي والاجتماعي في المنطقة.