في الوقت الذي استبشر الجميع خيراً بمستقبل السودان بشطريه الشمالي والجنوبي، من خلال القمة التي من المقرر أن تجمع الرئيسين عمر البشير وسلفاكير ميارديت للنظر في ملف القضايا العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها ملف النفط الأكثر سخونة وتأثيراً في الوقت الراهن، في هذا الوقت تبدو الأوضاع على الجانب الجنوبي أكثر قتامة، في ظل اتساع موجة الاقتتال في جنوب كردفان وتبادل الاتهامات بين البلدين حول دعم المتمردين.

المجتمع السوداني في الشمال والجنوب، في حاجة أكيدة لحملة واسعة النطاق من أجل ترسيخ منظومة القيم التي لها علاقة بالتسامح، ولا يعود ذلك إلى افتقار هذا المجتمع لتراث كبير في هذا المجال، بل لأن تقاليد التسامح الموروثة أصبحت مهددة بالتفكك والتلاشي، نتيجة تغيرات عديدة شهدها المجتمع السوداني خلال السنوات الماضية، لذلك أصبحت بكتيريا الاقتتال من أعتى الأمراض التي لا تداوى إلا بالتسامح. فالخرطوم وجوبا مطالبتان بتغيير عقلية الماضي.

والوعي بالواقع الجديد، بعدما أصبحتا دولتين وانتهى الخلاف، فهما اليوم أمام مسؤولية تاريخية لتجسيد التعايش السلمي فعلياً، فخطوة المصالحة مهمة لكسر الحاجز النفسي وإزالة غبار التوترات وأتربة التشنجات وغلق الصفحة القديمة، صفحة الصراعات بين الشماليين والجنوبيين، لفتح صفحة جديدة تطغى عليها المصالح المشتركة بين البلدين. إن أي حوار مفتوح بين القيادات الرسمية في البلدين، سوف يخفف حدة التوتر ويضعف العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى الحرب، أو التي تتبعها كوارث إنسانية واقتصادية واجتماعية على الدولتين.

وعلى دولة الجنوب أن تعي حجم قوتها، وأنها ناشئة تحتاج لمجهود كبير لتشييد البنيات الأساسية، فليس من المصلحة أن تمنع الشركات السودانية بكل مكوناتها من الاستفادة من ذلك وأن تضع لها العراقيل. فالاقتصاد ومصالح المواطنين العابرة لحدود الدولتين، ستكون سبباً مباشراً في الضغط على الحكومات، بدل العمل على صناعة السلام والاستقرار ووقف العنف.

 لذلك تبقى على عاتق القيادة في الدولتين، إعادة ترتيب العلاقات والتوافق حتى تقضي القمة بين الرئيسين إلى مراميها. وحتى إن لم تقض إلى اتفاق رسمي، فإن من شأن ذلك التخفيف من حالة الاحتقان والتوترات بين البلدين.