لا شك أن التحولات الكبرى التي شهدتها وتشهدها المنطقة العربية في ظل الحراك الشعبي والسياسي غير المسبوق، وبعيداً عن المسميات والأجندات والتفسيرات لما يجري في عالمنا العربي؛ دفعت بتخطيط أو بعدمه صوب نشوء حالات من الفوضى وانعدام الاتزان وفقدان الدولة القُطرية لسيادتها بأشكال مختلفة، وظهور مخاوف «الأقليات» بجوانبها الاثنية ومكوناتها الدينية والمذهبية من سطوة التيارات الجديدة الحاكمة.
كل ما سبق، حدا بالكثير من المحللين العرب التكتيكيين رغم وصفهم بـ «الإستراتيجيين» يذهبون في تفسير حالات الفوضى القائمة في البلدان التي سقطت أنظمتها إلى توصيفات لا تتفق وحركة التاريخ ونشوء الديمقراطيات في العالم، وبين متشائم بمستقبل الشعوب والبلدان العربية التي طالتها التغييرات الكبرى إلى حد ربطها بعلل «غيبية»، وآخر متفائل إلى حد أن «يكون ملكياً أكثر من الملك» بل أبعد تنظيراً من فريدمان أو فوكوياما ونظريات الشرق الأوسط الجديد و«الفوضى الخلاقة»، ويعيش الشعب العربي حالة من الترقب والاستماع لتحليلات المحللين.
وفي ظل حالة «التجهيل» وتدمير البنى العلمية والتعليمية كما الاقتصادية والاجتماعية التي عانت منها شعوب البلدان العربية السائرة في طور التغيير، وفي ظل انهماك قادة الأوطان الجدد ومنافسيهم بالتهيئة لمرحلتهم المقبلة و«جمهورياتهم الأفلاطونية» التي ينظرّون بها على الملايين من الفقراء من أبناء الشعب العربي، فإن النخب السياسية الصادقة والتي لم تتلوث بعد بـ«مرض الكرسي» لم تبذل جهداً حقيقياً في حراكها المدني لأجل شعوبها، بل أنها دخلت في صراع ــ ربما ــ أجبرت عليه مع الساسة الجدد، وتناست دورها في توعية جماهيرها بأن الديمقراطية كالبناء الذي يأخذ وقتاً أطول من الهدم.
أوروبا والبلدان التي يتحسر أغلب العرب على أسلوب عيشها الديمقراطي والمتحرر، دفعت ضريبة باهظة وقدمت ملايين القرابين على مذبح الحرية الإنسانية، وضحت بعقود أو بالأحرى قرون من عمرها وربيع شبابها لأجل الوصول إلى ما هي عليه من رفض الديكتاتوريات وإرساء مبادئ التعددية والانفتاح وحرية الرأي، ويجب أن تعي الشعوب السائرة في درب التغيير أن طريقها لن يزهر بالورود قريباً، وأن الأشواك والفخاخ ستبقى رابضة إلى أجل غير مسمى، وبالمحصلة فإن الديمقراطية والتحرر تستحق الصبر.