في انتظار القمة العربية المقبلة في بغداد ملفات ليست ساخنة فحسب؛ بل إنها تقارب مفردة «المنعطف التاريخي» التي طالما سمعناها من القيادات العربية في قمم سابقة، فالتحولات التي شهدتها المنطقة منذ انطلاقة «الربيع العربي» مستمرة، ولا يبدو أن معادلتها الكيماوية تقترب من لحظة الانعتاق عن التفاعل، فبُلداننا العربية التي اعتادت الدور الأبوي للدولة وإدارتها، قد «فلت عقالها»، ودخلت شعوبها في مجاهيل سببتها عقود من القمع والديكتاتورية المخربة.

على طاولة قمة بغداد المقبلة قضايا وملفات تأتي في ظل صحوة وسقف مطالب مرتفع للشعوب العربية، وهشاشة لأوضاع ساستها الجدد؛ أصعب من أن تنتهي إلى بيانات وخطابات جامدة ومقررات يكون سعر الورق والحبر الذي تكتب به أغلى قيمة منها، وعلى القيادات السياسية العربية، إن أرادت أن تواكب المتغيرات، أن تقرأ الأحداث، لا بِعَين جديدة فحسب.

بل بعقلية جديدة، تستطيع إيجاد نوع من التوازن بين متطلبات الشعوب واستحقاقات السياسة الدولية، فلا تندفع وراء «المراهقة السياسية» لبعض الساسة الجدد، ولا تفرط بمكتسبات القوة التي تقف من ورائها، عبر الجماهير التي ملَّت الخذلان مرات كثيرة.

استضافت بغداد قمتين، والتي بين أيدينا الثالثة، ففي قمة بغداد التاسعة 1978، كانت «كامب ديفيد» وما أدرى الأجيال الحالية بما جرى فيها من انشقاق عربي إلى معسكرين، وما تبع ذلك من علاقات متوترة بين البلدان العربية، وصلت في بعض الأحيان إلى حد سبك المؤامرات لبعض، وفي القمة التالية في بغداد 1990، فحدِّث ولا حرج بما جرى بعدها من أكبر انقسام يشهده العرب في تاريخهم الممتد لآلاف السنين، بعد غزو صدام حسين للشقيقة الكويت، وما أعقبه من أحداث دامية، ولسوء الصدف ـ ولا صدفة في عالم السياسة ـ فإن القراءة البعيدة عن الذكاء للبعض لمشهد انهيار الاتحاد السوفييتي.

في الوقت ذاته، أسهم بجلب الكارثة إلى المنطقة. ونحن على أعتاب قمة بغداد 2012، ليس أصعب ولا أكثر تعقيداً وخطورة مما يدور في منطقتنا ومن حولنا، فمأساة سوريا ودماء شعبها الشقيق ما زالت ترتفع إلى السماء دون إيجاد حل، وهذا السودان وليبيا على شفا التقسيم، وأقصى فلسطين هدف اليهود الأول مهدد بالتدمير، وعراق الحضارة ما زالت جراحه تشخب، ومصر الكنانة وتونس الخضراء بانتظار مصير مجهول، فهل ستأتي القمة بجديد في القرارات.