مستغلة الأوضاع المتفجرة في العالم العربي، تحاول إسرائيل بقدر ما تستطيع من قوة وجهد، فرض الأمر الواقع في القدس المحتلة، متذرعة حيناً بتوسيع مقبرة، وحيناً آخر بتوسيع حي، ومرة ثالثة بتوسيع طريق، وكل ذلك على حساب حقوق الفلسطينيين، الذين يقيمون على أرضهم في ظل ظروف مأساوية على الأصعدة كافة.

تحاول إسرائيل الإيهام بأن عدد السكان اليهود في القدس يتفوق على عدد السكان الفلسطينيين، ولذلك يحق لها أن تعلن المدينة الموحدة عاصمة لها، على الرغم من أن الجميع يعلم أن القدس الشرقية، وهي القدس الحقيقية التي جرى احتلالها، هي ذات غالبية عربية فلسطينية، رغم كل محاولات بناء المستوطنات حولها، أما ما يسمى القدس الغربية التي احتلت عام 1948، فهي بعض الأحياء إضافة إلى قرى كانت تابعة للقدس، جرى تهجير أهلها وإنشاء مدينة حديثة.

الغريب أن سلطات الاحتلال التي بدأت تروج لأرقام حول عدد سكان القدس بشطريها، منها رقم المليون، تعرف جيداً أن هذا الرقم مبالغ فيه كثيراً، وهي تلجأ إلى لعبة قديمة جديدة، وهي حساب أعداد المقيمين بشكل مؤقت في المدينة.. وهذه اللعبة تجعل مهاجراً روسياً أو إثيوبياً على قدم المساواة مع فلسطيني تسلسُل عائلته في القدس يعود إلى مئات السنين.

وهذه السياسة العنصرية التي تهدف إلى تقيض الوجود الفلسطيني في القدس، هي واحدة من أوضح أشكال حروب الإبادة الثقافية، فمن غير المعقول أن يقف العالم المتمدن متفرجاً على محاولات محو الهوية التي يتعرض لها سكان القدس الفلسطينيون، تحت دعاوى تاريخية غير مثبتة في أي مصدر محايد.

ولذلك فإن تكريس هذه السابقة في تاريخ العالم المتمدن، يمكن أن يفتح الباب عريضاً على كثير من النزعات العنصرية، ويشكل وصمة عار في تاريخ البشرية.

القدس جرح إنساني مفتوح، يمثل اختبار القيم والمثل التي يتذرع العالم المتقدم بتبنيها، ولكنه في الوقت ذاته يبدي لامبالاة غريبة حيال أنصع قضية في العالم المعاصر، يجري فيها تغيير هوية ثقافية ودينية لمدينة كاملة أمام سمع وأنظار العالم.