لم يكن يخطر ببال الليبيين، الذين ثاروا على حكم العقيد معمر القذافي «المركزي»، أن تنتهي ثورتهم بحكم رأوا فيهم تكريساً لمركزية أخرى من نوع جديد تستثني بعضاً من قبائلهم، ما فتح باباً أمام شبح من نوع آخر يتهدد الجماهيرية، ألا وهو التقسيم والحرب الأهلية التي قد تنجم عنه أو ترافقه، رغم تقليل بعض الساسة من أهمية تلك الهواجس، وتأكيدهم أن عدداً كبيراً من القبائل الليبية يرفض فكرة التقسيم أو الفيدرالية، ويتمسك بإعلان ولائه للنظام القائم.

ورغم تحذيرات رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبدالجليل من حدوث تقسيم فيدرالي أو كونفيدرالي في البلاد نتيجة «انحياز الثوار للقبائل»، ومطالبته الثوار بضرورة الانضمام لوزارتي الداخلية والدفاع، احتراماً لأرواح الشهداء وتضحيات الجرحى والثكالى، إلا أن ذلك لم يحُل دون اندلاع بعض النزاعات القبلية بين الثوار وبعض العشائر، منها القتال الذي شهدته أخيراً منطقة «الكفرة»، وأدى إلى سقوط 100 قتيل بين الطرفين، إذ تدخلت القوات العسكرية النظامية، في حالة نادرة لتدخلها لفرض سيطرتها، لإنهاء القتال بين قبيلتي «الزوي» و«التبو».

ومع ذلك، لم تأبه قبائل الشرق الليبي لتلك التحذيرات، وحددت يوم الثلاثاء المقبل السادس من مارس الجاري، موعداً لإعلان برقة إقليماً فيدرالياً، سبق ذلك الكشف عن إعداد المجلس الوطني الانتقالي ببنغازي «خطة ليبيا ما بعد القذافي»، والتي تهدف إلى تقسيم البلاد إلى خمسة أقاليم إدارية، هي برقة وطرابلس ومصراتة وجبل نفوسة وفزان، إذ سيضم إقليم برقة المنطقة الشرقية وجميع الحقول النفطية هناك، في حين يغطي إقليم مصراتة محافظات سرت وبني وليد وترهونة وزليتن والجفرة، كل ذلك بهدف السيطرة على الثروات الموجودة هناك، لاسيما النفط.

وما يبدو مقلقاً في هذا الشأن أن المجلس الانتقالي لا يجد نفسه قادراً على ضبط الوضع الداخلي، كما انه قد لا يجد دعماً حقيقياً من عدد كاف من القبائل للتصدي لذلك، ناهيك عن تداعيات وخطورة العودة لمربع الاضطراب والاقتتال الذي عاشه الليبيون طوال فترة ثورتهم، إلا أنه هذه المرة سيكون أكثر صعوبة وتعقيداً، نظراً لصعوبة حسم الأطراف موقفها تجاه وحدة البلاد، أو الاستقلال بأي صفة أو مسمى كان، وتطلع كل منهم للفوز بثروات منطقته..