لم يعد خافياً أن اللقاء الإسرائيلي الفلسطيني في عمان، لبحث فرص استئناف المفاوضات بين الجانبين، يهدف بالدرجة الأولى إلى منع الفلسطينيين من التوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على اعتراف دولي، وهذا الهدف الذي عبر عنه مصدر إسرائيلي بشكل واضح، يصب في الخانة نفسها التي تحدث فيها وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، وكذلك تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو الذي أضاف ان المطلوب من الفلسطينيين خطوات حسن نية وعلى رأس هذه الخطوات التنازل عن خطوة الأمم المتحدة.
ولكن الأسئلة التي تطفو على السطح هنا كثيرة، وتتعلق في الدرجة الأولى، بخطوات حسن النية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. لماذا لا تقدم تل أبيب للسلطة الفلسطينية خطوات حسن نية؟ مثلاً، أن توقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة وخصوصاً في القدس الشرقية، أو أن ترفع الحصار المفروض على قطاع غزة. أو أن تفرج عن أموال الضرائب المحجوزة لديها، أو أن تحاسب المتطرفين الصهاينة الذي يهاجمون الفلاحين الفلسطينيين بحجة زيارة قبور مقدسة!
الجانب الذي ينبغي عليه أن يقدم خطوات حسن النية هو الجانب الأقوى في معادلة الصراع، الجانب الذي يمتلك القوة العسكرية على الأرض، والذي يتحكم بالمعابر والذي يحتل الأراضي، والذي يعتقل الناس، والذي يفرض الحصار.
ولذلك يبدو الطلب من الفلسطينيين بأن يقدموا بادرة حسن نية أشبه بمطلب تعجيزي لا هدف له سوى كسب الوقت.
لقد استكشف الفلسطينيون طوال سنوات التفاوض التي أمضوها مع الجانب الإسرائيلي، جميع الخيارات والممكنات وغير الممكنات، ووصلوا إلى جميع الاحتمالات التفاوضية على كل فقرة وكل جملة وكل كلمة، ومع ذلك كان الإسرائيليون يتملصون من الالتزام بأي فقرة، متذرعين مرة بالانتخابات، ومرة أخرى باختلاف الائتلاف الحاكم، ومرة ثالثة بتغير الظروف الدولية.
ويعلم الجميع أن الفلسطينيين لم يقرروا الذهاب إلى الأمم المتحدة إلا بعد أن جربوا كل ممكنات الحوار، ووصلوا إلى الحدود الدنيا الممكنة والتي لا يمكن لهم القبول بأقل منها، ومع ذلك كان الموقف الإسرائيلي هو هو، منذ اليوم الأول الذي أعلن فيه أسحق شامير في مدريد عام 1991 بأنه سيتفاوض مع الفلسطينيين إلى ما لا نهاية له.