على عكس حركة التاريخ، التي تسير إلى الأمام ولا تعود إلى الخلف، تبني دولة إسرائيل، الجدران التي تعزلها عن محيطها، في محاولة يائسة للحفاظ على كيان يسعى لما يسمى «النقاء العرقي»، في زمن شهد تحطيم جدار برلين، والجدار الوهمي المحكم الإغلاق لألبانيا. تبني إسرائيل الجدران الأسمنتية شاهقة الارتفاع، محاولةً استبدالها بالتزامات السلام، وكأن الآخر غير موجود إلا بوصفه عدواً ينبغي الاختباء منه، وعدم التفاوض معه تحت أي سبب كان. إن سياسة إسرائيل هذه تذكرنا بدفن النعامة رأسها في الرمال عند استشعارها خطراً ما، ولكن هذا الخطر سيدهمها، لأن إلغاءه من مساحة الرؤية لا يعني انعدام وجوده.

مثل هذه المقولات والسياسات التي تنتهجها الحكومات الإسرائيلية، تطرح الكثير من الأسئلة حول مستقبل هذا الكيان، الذي يسعى للاحتفاظ بخصوصية مزعومة في وسط عولمة، تسابق الزمن، وتجتاح الجميع، دون سابق إنذار.

لتتعظ إسرائيل من تجربة جنوب إفريقيا العنصرية، التي لم تصمد أمام كفاح الجنوب إفريقيين ونضالهم السلمي الإنساني، اللذين وصلا في نهاية المطاف إلى انتزاع حقوقهم كاملة غير منقوصة، وهم الذين عاشوا نظاماً من أسوأ أنظمة الفصل العنصري في التاريخ المعاصر.

من المؤكد أن محاولات القيادات الصهيونية الحد من انزلاق إسرائيل نحو التبدد في محيطها الجغرافي، سوف لن تنجح على المدى الطويل، لأن التحولات التي يشهدها العالم، وتغير المفاهيم، أكبر بكثير من الوعي الذي أسس لهذه الدولة، التي قامت على فكرة المحرقة، ونفذتها بمحرقة لا تقل بشاعة.

ولكن السؤال الذي يطرح في هذه المناسبة: وماذا عن الجدران الإلكترونية التي تحمي نقاء هذه الدولة المزعوم من التواصل مع الحركة في العالم؟ وكيف يمكن للجدار أن يوقف تدفق المعلومات والأخبار والصور والأفكار، إلا إذا كان الحديث يتم عن إغلاق تام لأي شكل من أشكال التواصل مع العالم!

بناء الجدران لن يحل مشكلة إسرائيل، ربما يمكن أن يساهم في تأجيل قدرها المحتوم قليلاً، ولكن الواقع والمنطق وتجارب الشعوب، تثبت أن التاريخ يسير إلى الأمام، ولن يقف في وجهه جدار أسمنتي أو إلكتروني.