بوادر الأزمة السياسية في العراق تلوح في الأفق القريب بالرغم من حصول العراق على السيادة الكاملة بانسحاب القوات الأميركية، ويبقى الأكيد أن قوة التحالفات الطائفية قطعت الطريق أمام تجفيف جذور الإرهاب أو التصدي بجدية للمشكلات التي تعصف بالكتل السياسية، ما أدى إلى عدم إحساس العراقيين بنشوة نهاية الاحتلال على اعتبار أن الأزمة الداخلية بلغت مستوى يصعب التحكم فيه.

سبب الأزمة التي يمر بها العراق هو عدم وجود قادة سياسيين قادرين على تقديم حلول للأزمات، ما قد يجر البلاد إلى نفق مظلم لا يستطيع العراقيون الخروج منه. علماً أن بقاء فكرة المحاصصة السياسية الطائفية وإبعاد الكفاءات بسبب ذلك وعدم توافق الكتل السياسية على خط أدنى من الاتفاق في القرارات المصيرية والانشغال عن هموم الشعب يحتم إعادة النظر وإنتاج العملية السياسية بصيغة جديدة تحافظ على وحدة العراق أرضاً وشعباً وإبعاد البلاد عن الأزمات التي يبدو أنها أصبحت استراتيجية تحكم العراق وتغطي على الفساد والفشل في إدارة ملفات الأمن والخدمات.

 وأكبر ضرر يمكن أن يلحق بالعراق هو الانجراف وراء التأجيج الطائفي البغيض، الأمر الذي زاد من اتساع الخلافات الداخلية ما يهدد بانفراط التوافق السياسي الذي بموجبه تم تشكيل الحكومة العراقية. حيث يعمد الانتهازيون إلى الاستفادة من اختلاف وجهات النظر في المجتمع للضرب على الوتر الطائفي لحصد مكاسب يصعب عليه نيلها في أوقات التوافق والرخاء، فيعتمد أسلوب الشتم وإثارة النعرات بغرض إطالة عمر الأزمة.

وإذا ما استمرت هذه الخلافات بين الكتل السياسية فإن الكتل سوف تسيء لنفسها أمام الشعب العراقي ويسيئون إلى العراق أمام الدول الأخرى لذلك عليهم حسم جميع الخلافات البسيطة والكبيرة من أجل مصلحة العراق. والقوى السياسية اليوم أمام تحد مصيري لا يطال وطنيتها وقدرتها على إنقاذ البلاد فحسب بل يتصل أيضاً بوجودها كقوى قادت البلاد إلى الأمان.

وهذا وذاك يتوقف على إدراكها لعمق وخطورة الأزمة الحالية ومدى الكارثة التي ستحل فيما لو ساد العجز والفشل في إخراج العراق من واقعه المأساوي. وانطلاقاً من ذلك، على القوى السياسية الاختيار: إما الاستسلام لهدم المجتمع والدولة، وهو ما سيقود لا محالة إلى التجزئة والتقسيم، وإما تحدي الهدم من خلال اعتماد مصالحة شاملة تعيد إنتاج المجتمع والدولة على وفق قواعد العدالة والحقوق والحريات.