تصريحات المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية نيوت غينغريتش حول الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، وقوله إنه « شعب مخترع لم يكن له وجود من قبل»، تثير الكثير من التساؤلات حول الثقافة التاريخية التي يتلقاها الكثير من أفراد النخبة السياسية الأميركية، وماهية مصادر معلوماتهم، وما هي معاييرهم التي يبنون عليها مواقفهم السياسية؟
ربما نسي السيد المرشح أن الشعب الأميركي نفسه هو شعب تم اختراعه، والأميركيون أنفسهم يعرفون هذه الحقيقة ولا يعتبرونها مذمة، أو دعوة للانتقاص من حقوقهم. فما بال هذا السياسي ينكر على الفلسطينيين حقهم في الحياة على أرضهم وأرض أجدادهم التي عاشوا فيها منذ مئات بل آلاف السنين.
وكون الفلسطينيين عرباً، أو أنهم كانوا ضمن وحدة الدول العربية الإسلامية المتتابعة، لا يعني أنهم وافدون إلى هذه البلاد، كما تسعى الدعاية الصهيونية الممجوجة أن تثبت، لأن العرب كانوا يعيشون في فلسطين، منذ ظهور اسم العرب في المدونات الآشورية في الألف الأول قبل الميلاد. لا بل إن العرب الأدوميين، كما يرد اسمهم في المصادر غير العربية، أو الجذاميين في اسمهم العربي الأصيل، وبعدهم الأنباط الذين كانوا يعمرون جنوب فلسطين، وجدت آثارهم ونقوشهم في هذه الأرض التي لم يعثر الصهاينة حتى هذه اللحظة عن أثر واحد يؤكد قيام مملكتهم الموحدة المزعومة.
لقد ولى ذلك الزمن الذي يجرؤ فيه سياسي صهيوني أو غير صهيوني على الدعوة لطرد العرب الفلسطينيين من ديارهم بدعوى أنهم وافدون إليها.
الشعب الفلسطيني موجود على أرضه التي لم يفد إليها من مكان آخر، والهوية العربية لفلسطين ليست وافدة بل هي أصيلة، أصالة العروبة نفسها. لقد كانت فلسطين طوال تاريخها المذكور في المصادر الكلاسيكية عربية دائماً، مرة يحكمها حاكم أدومي ومرة نبطي ومرة غساني، وأي كلام يخالف هذه الحقائق التاريخية المثبتة بالنصوص، هو دعاية مستهلكة لا تستحق حتى الرد عليها، ولكن الذي أثار هذه الردود هو مقدار الانحطاط الذي وصل ببعض الساسة للمزايدة على الصهاينة أنفسهم بغية كسب أصوات في معركة انتخابية.