من عوائد الديمقراطيات جميعها في العالم العربي، أن النّاخب يملك مفتاح اختيار الوجوه الجديدة بكل نزاهة وشفافية، وأن اختيار المغاربة لحزب إسلامي يعني أساسا أن النّاخب تعامل مع العدالة والتنمية على خلفية حسن النّية، بحيث يحمل في ذاته قناعة بأنه صوت لقوى العدالة التي توفر لقمة العيش ومستقبلا أفضل، بعيدا عن الشعارات الواهية، وأن المغاربة يحتاجون لنافذة أمل على مستقبل أفضل.

فتراجع فرص الاستثمار ومستويات الفقر والبطالة والغلاء، وكل ما يدفع فئات الشباب الحالم بوضع أفضل، إلى الضياع إما في البحر أو بالارتماء في أحضان تنظيمات متطرفة وجدت في إحباطه وشعوره بالضياع فرصة لابتزازه ودفعه إلى المجهول، تتطلب مواجهة جدية وفاعلة. والمشاركة القوية في انتخابات تونس والمغرب، تعني أساسا أن الشعب يريد تحقيق التغيير المطلوب، الذي يكفل حياة كريمة في كنف الاستقرار.

لكن في المقابل، على الإسلاميين أن يعوا أن عنوان هذا الحراك الديمقراطي الذي دشنه الربيع العربي، هو الحرية والكرامة.

وعليهم أن يباشروا بالتحالف مع قوى أخرى لإجراء إصلاحات سياسية حقيقية، تعيد الاعتبار لقيمة المواطنة، وتعيد الاعتبار للسياسة كممارسة نبيلة، تعني خدمة المواطن والسهر على احتياجاته الأساسية، وتقطع مع ممارسات الانتهازية والارتزاق بالسياسة.

اليوم الشعب المغربي يريد حكومة سياسية قابلة للمحاسبة والمراقبة، أمام برلمان قوي يمارس صلاحياته الرقابية والتشريعية بكل مسؤولية. فالشعب وجه رسالة قوية بأنه يريد أن يكسب معادلة التغيير في ظل الاستقرار، وهي معادلة صعبة، لأنها تتطلب انخراط الجميع في قراءة واعية لطبيعة اللحظة السياسية الراهنة، والإدراك العميق لحجم التحولات التي باتت تؤطر الوعي السياسي للمواطن المغربي..

التحديات التي تنتظر حزب العدالة والتنمية ليست تحديات سهلة، فأمامه انتظارات كبرى على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والمطلوب أن يستجمع أنفاسه بسرعة بعد معركة الانتخابات، ويعمل على استيعاب مستلزمات المرحلة الجديدة التي تفرض عليه الانفتاح على القوى السياسية، وإعادة بناء الخطاب السياسي الحزبي ليتكيف مع متطلبات تدبير شؤون الدولة ومؤسساتها، ويستوعب طبيعة المطالب الملحة لمختلف الفئات الشعبية، ومضاعفة الجهد لتوفير الإجابات المناسبة لها، دون أن ننسى أن المغرب ملتزم بعلاقات منفتحة مع الجوار الأوروبي ومع القوى الكبرى في العالم.