لقد آن الأوان لأهل الدراية في السودان أن يضعوا الحسابات جانباً، ويكرسوا التفاوض بين الخرطوم والجنوب بخصوص القضايا العالقة بين الدولتين لإنهاء الخلافات التي ساهمت في تأجيج الوضع بين الدولتين، والشيء الأهم في هذا التطور أن توظف هذه العلاقات الدبلوماسية من جانب الدولتين في خدمة السلام والاستقرار والتنمية بعيداً عن لغة الوعيد وتهديدات حرب جديدة.

تبدو حقيقة ما يجري خلف الجدران بين الطرفين هي ما يحرك الأحداث تارة لليمين وأخرى لليسار خلافاً لما يتوقعه كثير من المراقبين والمحللين السياسيين، حتى بلغت الأزمة حداً اتهمت فيه جوبا الخرطوم بتمويل محاولة قلب نظام الحكم فيها. والتهديد بالعودة إلى الحرب.

لذلك فقد بات من الضروري الآن وقف الاتهامات المتبادلة، والالتزام بحكمة التعامل الدبلوماسي الهادئ، الذي ينأى عن الأصوات المرتفعة التي يركن إليها الكثير من الساسة المناكفين دوماً في كل من الخرطوم وجوبا. لا بد من التعامل مع القضايا العالقة بنظرة استراتيجية وبراغماتية ومهنية عالية، حتى لا تضيع فرصهما في تحقيق مصالح متبادلة بعد الانفصال.

وينبغي فصل القضايا عن بعضها البعض وإبعاد الاتهامات المتبادلة بدعم كل طرف للحركات المسلحة في البلدين من القضايا العالقة ومناقشتها بمعزل عنها بحيث لا تصبح حجر عثرة في طريق المفاوضات ومراعاة المصالح المشتركة لأن العلاقات في العالم الحديث أصبحت مبنية على المصالح المشتركة بين الدول.

وبالتالي لابد من تقديم كل طرف تنازلات وإفساح المجال للشخصيات الوطنية والأكاديمية في المساهمة في حل القضايا بين البلدين بالإضافة إلى مجهودات الاتحاد الإفريقي.

إن نجاح المفاوضات بين الشمال والجنوب حول القضايا العالقة يحتاج في المقام الأول إلى توحيد موقف كل حكومة على حده في داخلها، إضافة إلى أن وقف التصريحات العدائية بين الجانبين يعيد العلاقات إلى صفوها وبالتالي فتح آفاق أرحب للحوار، ومهما يكن من أمر فلا بد للدولتين أن تتحسبا للتعامل مع ما يمكن أن نسميه، الملفات الاستراتيجية في إدارة علاقتهما الدبلوماسية.

وأول هذه الملفات هو ملف السلام والأمن على الحدود وعبر الحدود، باعتبار أن عهد ما بعد اتفاقية السلام الشامل، يقوم هو أيضاً على قاعدة ذلك السلام ويرتبط به عضوياً من أجل مصلحة البلدين.