أصبح البحث عن الاستقرار في ليبيا، مطلباً مشتركاً بين الداخل والخارج. هذا الداخل الذي يبحث عن الاستقرار، من أجل ضمان توفر المناخ المحفز للنمو الاقتصادي والجاذب لرأس المال الجبان، والمحقق للأهداف القريبة والبعيدة لخطط التنمية المستدامة. وذاك الخارج الذي يبحث عنه لضمان استثماراته، وضمان تدفق إمدادات النفط، وتأمين حدوده الجنوبية من المهاجرين والمفجرين المحتملين.

إن استتباب الأمن وعودة الحياة إلى صورتها الطبيعية، لا بد أن يتما في أقرب الآجال، ذلك أن كل بناء أو إعادة إعمار يجب أن يستند إلى الاستقرار.

لقد آن الأوان ليعي الموالون للقذافي أن التفكير في مصلحة الوطن والتحلي بروح الوطنية، هو التضحية التي يمكن أن يقدمها هؤلاء لينضموا إلى إخوانهم الليبيين، ليقفوا جنباً إلى جنب من أجل بناء ليبيا وإعادة البسمة إليها من جديد، وتعود المياه إلى مجاريها، حيث يلتحق الأطفال بمدارسهم في جو يسوده الدفء والأمان، بدل أن يكونوا في ساحات القتال وهم في مرحلة الطفولة التي تعد من أهم مراحل نمو الإنسان.

لم يعد منطقياً أن تظل المعارك محتدمة بين الثوار وأنصار القذافي على جبهات عدة، بل بات من الضروري أن يتفق الجميع على وضع دعائم المستقبل، لبلد عانى طيلة أربعة عقود من احتكار الثروة في يد السلطة، بل بات ضرورياً حسم الأمور وبدء معركة أخرى يتشارك فيها جميع الليبيين دون استثناء.. إنها معركة البناء والتشييد.

صحيح أن الوضع الراهن أقل استقراراً مما كان قبل تفجر معركة التغيير والتحرير، غير أن الجميع مدرك أن ذلك الاستقرار كان استقراراً موهوماً ولم يكن حقيقياً، بل كان مفروضاً بالقوة والبطش وحرمان الناس من حقوقهم والتسلط على خصوصياتهم، فكان كطبقة رقيقة من التراب فوق فوهة بركان يتميّز غيظاً.

إن الاستقرار الذي يحلم به كل الليبيين، يعتمد الآن على شعور عميق لدى الناس بأنهم ينالون حقوقهم، ويتنعمون بخيرات بلادهم، ويستطيعون التعبير عن أنفسهم، ويؤثرون في قرارات حكومتهم بوسائل ديمقراطية، وهم آمنون مطمئنون على مستقبلهم. ومن أهم مقومات الاستقرار أن يطمئن كل الناس أن المواطنة هي معيار التعامل معهم، وليس القبيلة والجهة والعلاقات الخاصة.. ذلك هو الاستقرار الحقيقي الذي يدوم، ويحقّق الأمن والرخاء.