تشهد العاصمة الصومالية مقديشو في هذه الأيام، موجات عنف دامية لم تشهد لها مثيلاً منذ شهور، رغم طرد حركة الشباب من العاصمة حيث استبشر الجميع خيراً بمؤتمر المصالحة الوطنية، إلا أن هذه الآمال العريضة تبددت بين عشية وضحاها، بعد التفجير الدموي الذي راح ضحيته العشرات أمس.

لقد أخذت الحرب الجارية في مقديشو بعداً جديداً آخر في المسألة الصوماليّة المستعصية، إذ إنها تفرض نفسها بقوة على الساحة العسكريَّة الملتهبة، لتؤثر على كافة مجالات الحياة في العاصمة الصومالية، وتمتد للأقاليم الأخرى في جنوب البلاد، مما يعطي دليلاً على اتساع رقعة ونطاق الصراع العسكري الدائر.

والحاصل أن طبيعة هذا الصراع الدائر بين الصوماليين في الوضع الراهن لا يتغير، وربما يطولُ أمده إلى أجل غير مسمى، في ظل غياب القدرة التنظيميَّة لإدارة الشؤون العسكريَّة، إضافة إلى غياب خطة تكتيكيّة عسكريّة موحَّدة لإنهاء الوجود العسكري لحركة الشباب من مقديشو، مما يتيح للحركة فرصة إعادة صفوفها من جديد، وتوجيه ضربة عسكريَّة أخرى ضد الحكومة الانتقالية، وحصد أرواح المدنيين الذين يتلظّوْن بين حرب دامية وظروف اقتصادية خانقة.

لم تكن المصالحة والسلام والحوار يوماً عبئاً على المجتمعات والأمم، بقدر ما كانت نفساً وأملًا في حياة الملايين من شعوبها، ولا شك أن الشعب الصومالي ليس استثناءً بين تلك الأمم، بل هو الأكثر حاجة في الظرف الحالي إلى تحقيق السلام، وحلم الأمن الذي طال انتظاره. فالصومال جريح، والشعب مسلوب الإرادة، والمجاعة تفتك بالملايين، ومخيمات اللاجئين تعج بالملايين من المشردين، وقوارب الهجرة عبر البحار تصادر الجيل الناشئ.

 ولا يكاد مشروع المصالحة واستعادة الاستقرار في الصومال يتقدم خطوة واحدة حتى يتراجع خطوات، متأثراً بمواقف أطراف الأزمة، وحرصهم على الحصول على مكاسب خاصة، علماً أن قضية الصومال لها أبعاد دولية وتصفيات حسابات بين قوى خارجية تتخطى الحدود الإقليمية للبلاد.

فلا بد من تدارك المواقف وحل المشكلات بعقلانية، بعيداً عن التهور واللجوء إلى القوة، فالشعب بحاجة ماسة إلى الأمن والاستقرار، وكفى ما يقارب ربع قرن من الحرب والمجاعة.