ما يلفت النظر في كل الذي يمر به العالم العربي في مشرقه ومغربه هذه الأيام من تحولات كبرى، هو غياب المؤسسات العربية عن ساحة الفعل، سواء كان ذلك عن طريق الوساطة بين الأنظمة والمعارضات، أو على صعيد قيادة التحركات الدولية التي تمس مصير الدول العربية، والتي تتصدرها هذه الأيام مؤسسات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي. فيما تغيب الجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي.
وحده مجلس التعاون الخليجي تقدم بمبادرة من أجل حل الأزمة اليمنية. وهي مبادرة تستحق الوقوف إلى جانبها وتسهيل نجاحها، لأنها تقطع الطريق على التدخل الأجنبي في الشؤون العربية، وتشكل نموذجاً ينبغي أن يحتذى.
ولذلك تبرز الحاجة مجدداً إلى تطوير المؤسسات العربية التابعة للجامعة، والارتقاء بها إلى مستويات جديدة، حيث تلعب دوراً في حماية استقرار الدول العربية واستقلالها، وعدم تركها مسرحاً للتنافس الاقليمي والدولي، الذي سيملأ الفراغ الناتج عن غياب المؤسسات العربية.
وتطوير مؤسسات الجامعة لا يتعارض مع المنظمات والتجمعات الإقليمية العربية؛ كمجلس التعاون لدول الخليج العربية، والاتحاد المغاربي، ولكنه يتكامل معها ويتوجها وصولاً إلى منظومة سياسية واقتصادية عربية تتناسب وحجم وإمكانات ودور العرب في العالم المعاصر.
ولعل الانتخابات التي تشهدها بعض الدول العربية، وتلك التحولات العميقة في البعض الآخر، من شأنها أن تسهم في تعميق هذه الفكرة وجعلها هدفاً مستقبلياً لجميع الأنظمة العربية، عبر الوصول إلى برلمان عربي حقيقي يمثل جميع البرلمانات والمجالس المنتخبة، ويملك قوة معنوية وثقلاً يماثلان قوة وثقل البرلمان الأوروبي الذي أثبت فاعليته في توحيد القارة، التي تتكون من خليط هائل من الأعراق والمعتقدات، عكس الدول العربية التي تملك من مقومات الاتحاد والتضامن أكثر بكثير من مقومات التفرقة والتشرذم.
عصر الشعوب العربية بدأ إذن، وتطوير الجامعة والمؤسسات المنبثقة عنها أصبح ضرورة حتمية في المرحلة المقبلة، وإلا لن تقوم للعرب قائمة في عالم يتجه شيئاً فشيئاً نحو كيانات اقتصادية وسياسية تتكامل فيما بينها وتحقق قفزات عالية في الميادين الاقتصادية والتنموية.