تجاوز الليبيون الجهاد الأصغر بسلام من خلال تحرير ليبيا من نظام القذافي، وملاحقة فلولها بالمدن الأخرى، وجاء الآن موعد بداية الجهاد الأكبر، لتبدأ ليبيا مرحلة أخرى أكثر صعوبة وتشابكا وتعقيدا، وهي تأسيس ليبيا الجديدة وسيكون على الليبيين أن يعبروها بسلام، لكي يتمكنوا من ممارسة دورهم مع أشقائهم العرب في الدفع بمسيرة النهضة والتنمية.
ليبيا التي عاشت تحت خيمة الديكتاتور معمر القذافي لمدة 42 عاماً، تتطلع إلى مستقبل مشرق لشعبها، وتأمل أن تجتاز في هذه المرحلة الانتقالية المهمة والحساسة العديد من الملفات الشائكة وصولاً إلى برِّ الأمان، بعدما بات المجلس الانتقالي حاكماً وممثلاً وحيداً للبلاد، وإذا ما انتقلنا من التعامل مع الأوضاع الطارئة التي تمر بها ليبيا، إلى مقابلة استحقاقات الشعب الليبي، وتنفيذ أجندة الإصلاح السياسي، التي هي مبرر اندلاع الحركة الاحتجاجية التي أسهمت في إسقاط نظام العقيد، فإن المهمة الأولى في هذا السياق، هي إعادة بناء مؤسسات الدولة، بكافة تفرعاتها.
فإن المجلس الوطني الانتقالي الذي من الواضح أنه سيتولى السلطة في ليبيا خلال الفترة القادمة يضم في تركيبته عرقيات متباينة أشد التباين، ومن بينهم أنصار سابقون لمعمر القذافي وممثلون عن البربر والجماعات الإسلامية. وهناك مخاوف من أنه مع غياب العنصر الموحد لهذه الجماعات وهو الحرب ضد القذافي فإنهم قد يبدؤون الجدل الداخلي فيما بينهم. وحتى إذا نجحوا في التوحد وتشكيل حكومة مستقرة فإن أمامهم مهام جسيمة تتمثل في تحسين حياة المواطن الليبي العادي وتفادي أخطار ما بعد الثورة التي وقعت في كل من تونس ومصر.
والخطوة الأولى في هذا الصدد، هي حل الميليشيات التي تأسست مع بداية الحركة الاحتجاجية، والتي شكلت العمود الفقري المحلي في المواجهة مع كتائب القذافي. هذه الميليشيات تشكلت، في ظروف صعبة للغاية، وفرضت تشكيلها طبيعة اللحظة. وقد اتسمت بغياب القيادة السياسية الموحدة. وجاء تشكيلها مرتبط بمجموعة من الاعتبارات الفئوية الولاءات القبلية والسياسية، وضمت عناصر إسلامية متطرفة. وقد حان الوقت لحل هذه الميليشيات.مما يساهم في تجنب البلاد خطر التقسيم.
البلاد مقبلة على حقبة جديدة في تاريخها تحاول نفض غبار السياسات السابقة التي تبنَّاها القذافي التي أسهمت في عزلة ليبيا وتكريس صورتها كبلد مشكوك في مصداقيتها أمام العالم، وهي الصورة التي نجحت الثورة الليبية في إزالتها وقدمت للعالم وجهاً آخر لشعب حاز ثقة وتقدير الجميع.