أظهرت التطورات الأخيرة في العالم العربي الكثير من المشكلات البنيوية التي تعاني منها جامعة الدول العربية كهيئة حاضنة للعمل العربي المشترك.
وهذا نابع من تركيبة الجامعة التي تعمل وفق منطق: أنها انعكاس للأنظمة العربية، وبالتالي فإن الجامعة هي في النهاية صورة عن العلاقات السياسية بين الدول العربية، فإن كانت هذه العلاقات على ما يرام كانت الجامعة على ما يرام، وإن كانت ليست كذلك كان وضع الجامعة ليس على ما يرام، وهذا خلل كبير في بنية هذه المنظمة التي يفترض بها أن تنهض بالعلاقات العربية العربية، وأن تعكس صوت الشعوب أكثر فأكثر.
ولعل الذريعة التي يتذرع بها المدافعون عن الصيغة الحالية للجامعة هي أنها لا تمتلك أي صفة سيادية، ولا علاقة لها بالشؤون الداخلية للدول الأعضاء فيها، وبالتالي هي مؤسسة لتنسيق المواقف إن أمكن وليست منظمة اتحادية لقراراتها صفة الإلزام.
ولكن هذا المنطق، الذي يستند إلى مواثيق تأسيس الجامعة، لم يعد يتناسب مع تطورات العصر، فالدول التي بدأت العمل المشترك فيما بينها متأخرة عن الجامعة العربية عدة عقود قطعت مراحل من العمل المشترك حتى وصلت إلى الاتحاد الفيدرالي، كما حدث مع المنظومة الأوروبية التي بدأت بسوق مشتركة وانتهت باتحاد كامل ألغى الحدود ووحد العملة.
وإن كان هذا الهدف لا يزال بعيداً في ظل الأوضاع العربية السائدة حالياً فإنه لا يبدو مستحيلاً بل هو أمل ينشده المواطنون العرب من المحيط إلى الخليج، حيث بدت مصائر بعض الدول العربية وكأنها مربوطة في الخارج سواء كان هذا الخارج في أوروبا أو أميركا أو حتى آسيا.
تطوير الجامعة للوصول إلى صيغة اتحادية مطلب شعبي عربي، ولابد من التفكير جدياً في تطوير هذا الكيان السياسي، وتخليصه من مشكلاته التي تعيق عمله، أملاً في الوصول إلى الصيغة المثلى للعمل المشترك بين جميع الدول العربية، بما يكفل للعرب مكانة تليق بحجمهم ومكانتهم في هذا العالم، لا أن يبقوا هكذا ساحة لتنافس الأمم الكبرى، أو تلك الطامحة بأدوار إقليمية، على حساب طموحات وآمال ومصالح الشعوب العربية.