عاد مسلسل الإرهاب والعنف الأعمى ليضرب في مدن العراق، على خلفية طائفية في ظاهرها، سياسية في حقيقتها، وتبدو الصورة هذه الأيام وكأن الإرهاب قد عاد ليتصدر المشهد باستهدافاته العمياء التي تتنقل ما بين المساجد ومراكز الشرطة والتي تستدعي من الساسة العراقيين البحث في تفاصيلها، سيما وأنها تستهدف إثارة الفتنة الطائفية، بعد أن ظن الجميع أنها ولت إلى غير رجعة، وأن المجتمع العراقي عاد إلى طبيعته السمحة، وأن العملية السياسية تمضي في دروب النجاح.
عودة أحداث العنف إلى العراق تجد من السلطات الحاكمة في بغداد تفسيرا وحيدا يلصق بتنظيم القاعدة، التي تعتبرها الحكومة وأحزاب الاحتلال إرهابا مستوردا فكرا وتنفيذا، وبغض النظر عن المآرب السياسية الراهنة، فإن على العراقيين أن يتوافقوا من خلال الحوار، ليتمكنوا من السير بخطى جادة نحو المصالحة الوطنية، وعليهم البحث عن وسائل لجمع كل المكونات السياسية والحزبية والدينية على مائدة حوار، يستهدف اتخاذ قرارات ملزمة ترفض اللجوء إلى العنف لتحقيق أهداف سياسية، وعدم استبعاد أي مكون سياسي يلتزم بهذه القرارات فعلاً، وعندها فقط سيكون ممكناً منع المسلحين من اقتراف المزيد من الجرائم التي يكون الغالبية العظمى من ضحاياها مواطنين أبرياء.
إن الضمان الوحيد لعدم الرجوع إلى الخلف واستعمال العنف هو الاحتكام إلى القانون ومبادئ الدستور العراقي، وان كل المشاكل والنزاعات الموجودة في الساحة السياسية العراقية يجب أن تحل على طاولة النقاش والحوار السياسي، ودون المصالحة الوطنية لن يكون في العراق استقرار، بل إن دوامة العنف إلى ازدياد، والانقسامات بين الطوائف ستزداد حدّة، كما سيواصل الفساد تفشّيه بصورة كبيرة، وستزداد حركة الهجرة الداخلية.
وتكتسب ظاهرة الصراعات المذهبية خطورتها في ظل هذا الاحتقان السياسي في العراق، والذي يتفجر بركانه متى ما حشرت النزاعات المذهبية في الميدان. وعندها لا يمكن وقف نزيف الدم. لذا ينبغي أن تشرع هذه الأحزاب بإعادة النظر في سياستها بالتوجه نحو التباري في خدمة العراق وشعبه وحماية الهوية الوطنية للمواطنين العراقيين بما يضمن تكريس سيادة العراق كاملة وحماية البلاد من التدخلات الخارجية.