مع قرب انتهاء المرحلة الأساسية الأولى للصراع في ليبيا، والمتمثلة بإنهاء حكم ونظام العقيد القذافي، بات يفترض الآن وضع تصور عام لما ستؤول إليه الأمور بعد سيطرة المجلس الانتقالي وتتالى الاعترافات الدولية والعربية به، إضافة إلى رفع عدد من الدول الغربية التجميد على الأرصدة المالية.

ترك القذافي للنظام سيخلفه سيلا من الإشكالات والصراعات وخفايا الصفقات، وخلافات مع العديد من الدول العربية والإفريقية. والأشد خطورة، ذلك الفراغ الرهيب في بلد خال من أي مؤسسة فاعلة، الآن، لا نبالغ إذا قلنا أن المجلس الوطني الانتقالي سيكون عليه أن يبدأ، من الصفر، وهو مضطر إلى انتشال البلد من «الأعماق» و«الأنفاق» التي وضعه فيها «القائد» على مدى أربعة عقود. ومما لا شك فيه أن الشعب الليبي وثورته الآن أمام اختبار حقيقي، ومعركة البناء القادمة لا تقل أهمية وجسامة عن المعركة السابقة.

إنها معركة ترجمة الشعارات السياسية والاجتماعية التي رفعها ثوار ليبيا إلى واقع على الأرض يحفظ للشعب الليبي حريته وكرامته واستقلاله وقراره الوطني ويضمن حقوق الإنسان والمشاركة السياسية في ظل نظام ديمقراطي بعيدا عن الديكتاتورية وقمع الحريات وبعيدا عن الارتهان لهذه القوة أو تلك. فالثورة أساسا قامت كي يعبر الشعب عن سيادته وحقه الطبيعي في تقرير مصيره ولا يعقل أن يقبل أي ليبي بالتبعية أو الوصاية الأجنبية أو تفتيت وحدة وسلامة الأراضي الليبية.

وإذا ما انتقلنا من التعامل مع الأوضاع الطارئة التي تمر بها ليبيا، إلى مقابلة استحقاقات الشعب الليبي، وتنفيذ أجندة الإصلاح السياسي، التي هي مبرر اندلاع الحركة الاحتجاجية التي أسهمت في إسقاط نظام العقيد، فإن المهمة الأولى في هذا السياق، هي إعادة بناء مؤسسات الدولة. إن ذلك، يفرض على الدول العربية مجتمعة، مساعدة ليبيا في حل هذه الإشكالات.

وربما يشكل اقتراح وجود قوات عربية في ليبيا، لحفظ الأمن والمساعدة على عودة الاستقرار حلا معقولا، للخروج من النفق، لتأكيد مبدأ وحدة الأمن القومي العربي الجماعي، وحماية بلد عربي من شر المتربصين. وكلنا أمل أن تخرج ليبيا بسرعة من هذا المخاض العسير لتتفرغ لمرحلة البناء ولمرحلة الإسهام الفاعل في واقعها وانتمائها العربي لتشكل إلى جانب الشعوب العربية الأخرى إسهاما حقيقيا في نهضة وتقدم هذه الأمة.