أثبتت تركيا للعالم أنها دولة تحترم نفسها وسيادتها، من خلال طردها السفير الإسرائيلي وتجميدها للاتفاقات العسكرية مع الدولة العبرية، بعد رفضها الاعتذار على مقتل تسعة أتراك في غارة إسرائيلية على سفينة متجهة لغزة، وستكون إسرائيل الخاسر الحقيقي في هذه المواجهة، لأنها لا تتحمل أن تخسر أحد أصدقائها النادرين في العالم الإسلامي.
فيما يشهد العالم العربي حالة من الغليان. تعودت إسرائيل قتل العرب في فلسطين وفي غيرها، وأن تكتفي بالتبريرات المزعومة حول "مكافحة الإرهاب"، بينما الضمير العالمي لم يعد يتحرك للرد على إسرائيل، إلا في حدود مظاهرة هنا أو هناك لبضع عشرات من الغاضبين، أما الحكومات الغربية وأميركا فعادة ما تكتفي بدور المتفرج. لكن المشهد مختلف هذه المرة، فالقتلى أتراك، وتركيا لا تقبل بأقل من اعتذار إسرائيلي رسمي، وتعويض المصابين وأهالي الضحايا الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية في عمق المياه الدولية.
ومن الواضح أن العلاقات الاستراتيجية التي نشأت بين تركيا وإسرائيل خلال العقود الماضية، كانت نتاج ظروف دولية سياسية واستراتيجية لم تعد موجودة, ومع المتغيرات والتحولات الجارية من الواضح أن الجانبين لم يعد باستطاعتهما الاستمرار في هذه العلاقة كما كانت, خاصة بعد أن بدأت تفقد أهميتها وتتحول إلى شكل من أشكال الصدام. فالكثير من المسؤولين الأتراك باتوا مقتنعين بأن أبواب الاتحاد الأوروبي لن تفتح لتركيا مهما فعلت، وبالتالي فليس لدى الأتراك ما يخسرونه، بل قد يربحون إذا نجحوا في إحراز خطوات متقدمة في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية وتمكنوا من زيادة عزلتها دوليا.
الإسرائيليون تعودوا ألا يعتذروا للعرب والمسلمين، لأنهم يحتقرونهم، ويحتقرون شهداءهم، ولا يرون أي خطأ في قتل هؤلاء يستوجب الاعتذار. لكن الوقت قد حان ليقول العالم لإسرائيل كفى. فهل يتسم "المجتمع الدولي"، ولو مرة، بالجرأة ويحاسب إسرائيل على هذه الجريمة واضحة المعالم؟
أم أنها ستكون مجرد جريمة أخرى تضاف لقائمة جرائم الحرب الإسرائيلية وضد الإنسانية، دون أي تحرك دولي، وتستمر حملات العلاقات العامة بين دول العالم، التي عادة ما تنجح فيها إسرائيل «لتبييض» وجهها بعد كل جريمة ترتكبها في حق الشعب الفلسطيني أو غيره، ولم تكن لتنجح إلا بمساعدة القوى الكبرى، والغربية تحديدًا!