تشكل قضية انسحاب القوات الأميركية من العراق بأبعادها الداخلية والإقليمية، قضية شائكة ولا يمكن النظر إليها ببساطة، فالتصريحات المتناقضة التي تصدر عن بغداد وواشنطن، تشير إلى المأزق الصعب الذي تمر به أرض الرافدين والترقب لقادم الأيام بكل تحدياته الأمنية والسياسية والاقتصادية.
لقد أطلق وزير الدفاع الأميركي الجديد ليون بانيتا شرارة التناقض في المواقف مع بغداد، ففي الوقت الذي ألقت فيه القوى السياسية العراقية برمتها بالكرة في ملعب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي للتفاوض بشأن بقاء أو انسحاب القوات الأميركية، صعدت تصريحات بانيتا بشأن موافقة الحكومة العراقية على التمديد لبقاء قوات بلاده من نبرة التهديدات التي أطلقتها عدة جهات سياسية ومليشيات مسلحة في حال موافقة حكومة المالكي على التمديد لبقاء القوات الأميركية.
إن جميع المساندين لحق العراق وشعبه بالحرية والاستقلال، لا يقللون من أهمية أن يكون العراق بعد خروج القوات الأميركية قادراً على حماية أرضه ومياهه وأجوائه، فالبلد الذي كان يحسب له ألف حساب من الناحية العسكرية في الإقليم، باتت آلته وتجهيزاته العسكرية متراجعة إلى أدنى الحدود بعد الضربات المدمرة التي وجهت لهيكله العسكري، ناهيك عن وجود أكثر من 70 حزباً سياسياً معترفا به في الساحة العراقية مختلفة الأهواء والاتجاهات وعدم اتفاقها على مبادئ ثابتة بما يخص القضايا الأساسية ومنها قضية الانسحاب.
إن قضية الانسحاب الأميركي أو بقاءه وتأثيرها على العراق ومحيطه، لا يمكن التنبؤ بها على المدى البعيد، أما على المدى القصير فهي عبارة عن إشكالية خطيرة تكمن بـمدى جاهزية القوات العراقية لتحمل مسؤولية الملف الأمني وحماية الحدود، ووفق بيانات القادة العراقيين فإن هذه القوات لم تستكمل قدرتها بعد لتأمين الحدود، وبناء على ذلك فإن العبء الملقى على عاتق رئيس الحكومة نوري المالكي هو عبء كبير ومسؤولية لا ترتبط بفترة ولايته الحالية بل تمتد لعشرات من السنوات القادمة.