لا يختلف اثنان على أن الحاصل في بريطانيا، هو فعلاً أعمال شغب وسرقة وتخريب، أي أنه غير مقبول، وإذا كان هناك من مأخذ على السلطة، فهو إخفاقها في توقع مثل هذه التفجّرات الاجتماعية، وخصوصاً أنّ تقارير أمنية عدة، نبّهت إليها عشية إقرار خطة التقشف، إلا أن ممارسة العنف مرفوضة في كل الأحوال.
الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تسود العالم الغربي هذه الأيام، لعبت دوراً كبيراً في تفجير الاحتقان الشعبي في أوساط الطبقة المحرومة، وهذا أمر لا جدال حوله، ولكن سياسات الحكومة البريطانية في تهميش مواطنيها الفقراء، وتصعيد معاناتهم، من خلال تخفيض ميزانيات الخدمات العامة والمعونات الاجتماعية، لعبت الدور الأكبر في ما رأيناه من أحداث طوال الأيام الماضية. فجذر العنف هو البطالة والحرمان والفقر والشعور بالتمييز.
ومع أن بريطانيا سبق لها أن شهدت في أعوامٍ سابقة أحداثاً مماثلة في بعض الضواحي اللندنية المهمشة، إلاّ أنها ظلت محدودة ولم تمتد جغرافياً على هذا النحو المثير للقلق.
وكان لافتاً كما في التظاهرات المطلبية، أن تربط بعض وسائل الإعلام مقارناتٍ مع ما يحدث في عدد من البلدان العربية، وأن يقال مثلاً: إن العدوى وصلت إلى بريطانيا، ولكن الواقع أن هذه الأحداث عفوية وهدفها اجتماعي.
وليست مرتبطة بأي شكل من الأشكال بطابع سياسي يهدف إلى إسقاط النظام، علماً بأن بعض العصابات الإجرامية الصغيرة، قد لعبت دوراً في تحريك مثل أعمال الشغب هذه، لحظة حدوث حادث يصب الزيت على النار، رغم أن أغلب من تحدثوا عن الشغب، اتفقوا على أن العنف والنهب حدثا تلقائياً بدافع الاستغلال، ولكن هذا لا يعني أن مشاعر الغضب والإحباط لم تكن حقيقية وخطرة.
الأكيد أن الحكومة البريطانية ارتكبت خطيئة كبرى عندما أهملت شعبها، وركزت كل اهتمامها على كيفية إنقاذ الأغنياء، ورصدت مئات المليارات لإنقاذ النظام المصرفي، وعلى حساب تخفيض الإنفاق العام، واقتطاع المليارات من ميزانيات الخدمات العامة، مما أدى إلى تفاقم البطالة، ومعها المعاناة في صفوف الطبقة المحرومة.
ولذلك من الضروري أن تنتبه الحكومة لهذا الأمر، بإعطاء البعد الاجتماعي حيزاً مهماً في سياستها الحكومية، مما يساهم في الاستجابة لمتطلبات المواطنين البريطانيين.