مئات المليارات تتبخّر، وسياسيون يدورون في حلقة مفرغة للوصول إلى حلول ناجعة للمأزق الكوني الذي باتت ظلاله القاتمة «تخنق» الاقتصاد العالمي.

طوال عقود والكل يسأل السؤال التعجيزي: أيهما يؤثر في الآخر السياسة أم الاقتصاد؟ وطوال عقود لا أحد يملك جواباً شافياً، حتى تزاحمت الأحداث بدءاً من عالمنا العربي، ثم وصولاً إلى اليونان وإيطاليا والولايات المتحدة وأخيراً بريطانيا..

 فكان الجواب: طبعاً الاقتصاد، فهو الذي يحرّك السياسة.. فإما قارب نجاة وإما غرق في دوامة الحلول المجتزأة.

العالم، الذي أضحى قرية منذ الطفرة الإعلامية وبعدها الطفرة الكمبيوترية، بات حقاً في متاهة كبيرة، بوابتها الاستهلاك ومخرجها محفوف بالهلاك.

وما العجز الذي يواجهه السياسيون في غير مكان في سبل البحث عن المخرج من الأزمة الاقتصادية، وسد كل باب يمكن أن يقود إلى كساد لا أحد يرغب فيه. وهنا نصل إلى العقدة الأزلية: ما هي السياسات الواجب اتخاذها لتغيير وجه الفكر الاقتصادي الذي يهيمن على العالم منذ عقود. حرّر الاقتصادات لكنه أسَرَ المجتمعات التي تحملت وشدّت الأحزمة لسنوات وسنوات فكانت النتيجة ما نشاهده اليوم من انعدام ثقة، ورعب من المجهول، بل وخوف من المعلوم.

هذا «الرسوب» سببه سياسات فقدت البوصلة وفلت عقالها وعقلها، فبات لا مناص من الإقرار بأن مضامين أمهات كتب الاقتصاد الجزئي أو الكلي باتت في حاجة ملحة للتنقيح، وإعادة صياغة. فأطنان الأفكار القديمة لم تعد مناسبة للواقع الجديد.

العالم مقبل، لا شك، على إعادة صياغة. وهنا لابدّ من إشراك الاقتصاديين وعلماء الاجتماع والأنثروبوجيا وحتى علماء المناخ في «ضبط» التشريعات الاقتصادية.. فالمعادلة لم تعد من يؤثر في الآخر: الاقتصاد أم السياسة؟

 فخصائص السلوك البشري واتجاهات التغيرات المناخية، وحتى «الضوابط» الدينية بات جزءاً لا يتجزّأ من مكونات هذه المعادلة. وهو ما يعقّد الحلول المرجوة، فما يواجه عالمنا يحتاج حلولاً خلاقة لا يصوغها الاقتصاديون ولا السياسيون.. فالمعادلة الثنائية التي اعتمدت على «أفكار» هؤلاء ثبت، بلا أدنى شك، أن مناعتها ضعيفة حيال مستجدات القضايا التي باتت تصطدم بها المجتمعات شمالية كانت أم جنوبية، متقدمة أم نامية.