بعد انفضاض سامر حفل إعلان الدولة الجديدة في جنوب السودان، جاءت الآن ساعة الحقيقة، والسؤال المهم: هل يؤثر التاريخ أو الجغرافيا أو الدين في توجهات الدولة الجديدة؟ وكم تصمد الدولة الجديدة قبل أن تقع في المشاكل الداخلية؟ وهذه الأخيرة محفّزاتها كثيرة، فهناك التباين القبلي، وهناك القضايا المجتمعية التي ستضغط سريعاً على الحكومة الجديدة، فمئات الآلاف سيعودون من الشمال فاقدين وظائفهم، وسيطالبون الدولة الجديدة بحلول سريعة قد لا تستطيع تلبيتها.
الدستور المصادق عليه قبل أيام، ينص على أن الإنجليزية هي اللغة الرسمية في الدولة الجديدة، وستتجّه الأنظار الآن إلى «لغة» التعامل مع الجار الشمالي، والشقيق الأكبر السابق. والتحدي الكبير في هذا المجال إعلامي، إذ يبدو التباين واضحاً في الإعلام السوداني الشمالي حالياً، بين مؤيد للحالة الجديدة وبين رافض، وإذا استنسخت هذه الحالة في دولة الجنوب، فإننا نخشى أن يكون هذا التنافر الإعلامي، وفي ظل وجود قضايا خلافية شائكة ومعقّدة ومفخخة، سبباً في إشعال فتيل مواجهة ما، مرفوضة بالمطلق.
وفي سبيل ضمان حالة صحية سياسياً وأمنياً، يجب تذكير الدولة الجديدة بأن أول من اعترف بها كان الخرطوم، وهو ما يمكن اعتباره شهادة اعتماد يجب أن تنظر إليها جوبا على أنّها شهادة حسن نية، وأن تتعامل معها بالمثل، بعيداً عن رواسب الماضي. وإذا كان الطرفان عاشا السنوات الخمس الماضية في وئام، في ظل اتفاقية السلام الشامل الموقعة في نيفاشا، فمن الأولى أن يكون هذا الحال هو ديدن العلاقة بين الدولتين في مقبل الأيام.. وأن ترتقي هذه العلاقة على ما عداها، فالشمال شريان الحياة للجنوب، وعبر هذا الجنوب يمر نهر الحياة للشمال، وبالتالي فكل طرف في حاجة أساسية للثاني.. والسلام والتعاون يجب أن يكونا أكبر مصلحتيْن في إطار العلاقة المرجوة.
ومن المأمول أن يؤثر العامل العاطفي وبعض التاريخ المشترك لمئات آلاف السودانيين الجنوبيين، الذين لم يكونوا يعرفون أنهم جنوبيون، في خلق حالة من التعاون والتفاهم، تجعل التجربة الجديدة نموذجاً يحتذى، قوامه شعب في دولتين، بعد عقود طويلة من فكرة شعبين في دولة.