يبدو أن مصر على موعد دائم مع التغيير، فاليوم يتدفق زخم الثورة المصرية بعد أقل من ستة شهور على ثورة الخامس والعشرين من يناير وسط ما يتراءى لشريحة من المصريين من أنه «ضياع» لمكتسبات ثورتهم.

المصريون يخرجون اليوم إلى الشارع مجدداً بعد هدوء دام نحو شهر، رافعين الشعارات نفسها التي حملوها أيام الثورة الأولى في يناير، والمتلخصة في: كرامة، حرية، عدالة. والخلاف يتمحور الآن على العدالة، فالمصريون يريدون رؤية عدالة كاملة 100 في المئة، ومعالجة ما يعتبرونه خللاً في إدارة المرحلة الانتقالية، ويأخذون عليها التراخي في محاكمة رموز الفساد بشفافية وحيادية تامة.

والرهان يبدو اليوم على هذا الميدان ــ الوصفة السحرية التي بات يلجأ إليها المصريون للفت نظر القيادة السياسية والسعي نحو انتزاع المزيد من المكتسبات.

هناك العديد من الاستحقاقات التي يجب على المصريين التصدي لها وصولاً إلى موعد الانتخابات المرتقب في سبتمبر، وعليه فاللجوء إلى الشوارع في كل منعطف وعند كل قضية خلافية قد يعود بنتائج سلبية تمحو كل ما أنجز، فالحوار هو السبيل الأنجع. ومحاولة استغلال الشارع قد يكون في بعض الأحيان سياسياً، ويؤتي من الثمار ما لا يريده المصريون، بغالبيتهم، حتى لا يتحوّل الربيع العربي إلى صيف ثقيل.

يقول المصريون إن الثورة لا بد أن تعود لطريقها الصحيح، وإن انسداد أفق تحقيق شعارات الثورة التي حقّقت الظفر في 8 فبراير مرفوض، وفي المقابل، مرفوض تشويه المكتسبات التي تحققت بعفوية التحرك وعدالته وسلميته.

وكما هو مطلوب من المتظاهرين الذين يلوذون بالشارع التحرك السلمي الواعي، فإن ما هو ملقى على كاهل السلطة أكبر، وهي مطالبة بملاقاة المطالب، وتأكيد النزاهة، والتصميم على محاسبة الفساد، ومجازاة من أساء وأجرم بحق المدنيين العزّل. ولهذا يمكن اعتبار أن تأجيل محاكمة الضباط المتهمين بقتل الثوار إلى شهر سبتمبر المقبل والإفراج عنهم بكفالة مالية كان شرارة «الثورة الجديدة».. القرار، ولا اعتراض على رأي القضاء، كان يجب أن يراعي آلام الناس الذين عانوا من بطش الأمن، وأن يراعي أن هناك قلوباً مفجوعة فقدت أبناءها وبناتها برصاص غادر.